فنحن ذات يوم على شرب ، ومعنا إسحاق ، إذ غنّى إبراهيم بن المهدي « 5 » ، فقال :
صونوا جيادكم واجلوا سلاحكم * وشمّروا إنّها أيّام من غلبا
فاستعاده المأمون مرارا ، وبان لي في وجهه الغيظ والغضب ، والهمّ ، وزوال الطرب ، ولم يفطن إبراهيم .
وترك المأمون القدح الذي كان في يده ، ونهض ، فظننّاه يريد الوضوء ، ثم غاب .
فما شعرنا إلّا وقد استدعانا إلى مجلس آخر ، فإذا هو جالس على سرير الخلافة ، بقلنسوة ، وثياب الهيبة ، وبين يديه إسحاق بن إبراهيم المصعبي ، وجلّة القوّاد .
هامش
( 5 ) كان إبراهيم بن المهدي يعيّر بالغنّاء ، ويعيّر به بنو العبّاس ، ولما أعلن خلافته ، قيل فيه :إن بات إبراهيم مضطلعا بها * فلتصلحن من بعده لمخارقومخارق من محترفي الغناء ( وفيات الأعيان 1 / 40 ) ، وعندما عجز في أيّام خلافته عن تدارك أرزاق الجند ، قيل على سبيل السخرية منه إنّه سوف يغنّي للجند أصواتا ، بدل الرزق ، فقال الشاعر [ تاريخ بغداد 6 / 142 ] :يا معشر الأجناد لا تيأسوا * من رحمة اللّه ولا تقنطوافسوف تسقون حنينّية * يلتذّها الأمرد والأشمطوالمعبديّات لقوّادكم * لا تدخل الكيس ولا تربطوهكذا يرزق أصحابه * خليفة مصحفه البربطالحنينيّة : غناء حنين ، والمعبديّات : غناء معبد ، والبربط : آلة موسيقيّة ترية ، وقال أبو فراس الحمداني ، يعيّر به بني العبّاس [ ديوان أبي فراس 255 و 259 ] :بنو عليّ رعايا في ديارهم * والأمر تملكه النسوان والخدممنكم عليّة أم منهم وكان لكم * شيخ المغنّين إبراهيم أم لهم