والقدرة تذهب الحفيظة ، وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذنب ، كما أصبح عفوك فوق كلّ عفو ، ولم يبق إلّا عفوك أو انتقامك ، فإن تعاقب فبحقّك [ 195 غ ] ، وإن تعف فبفضلك ، وأنت للعفو أقرب .
فأطرق المأمون مليّا ، ثم رفع رأسه ، فقال : إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك ، يعني أخاه المعتصم ، وابنه العبّاس ، وكانا يشيران عليه في معظم تدبير الخلافة والسياسة .
فقال إبراهيم : لقد نصحا لك يا أمير المؤمنين فيما أشارا عليك به ، وما غشّاك ، إذ كان منّي ما كان ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ ، عوّدك في العفو عادة جريت عليها ، دافعا ما تخاف بما ترجو ، فكفاك اللّه كلّ مكروه ، ودفع عنك كلّ محذور .
قال : فتبسّم المأمون ، وأقبل على ثمامة ، وقال : إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ ، ويغلب السحر ، وكلام عمّي منه ، أطلقوه ، وفكّوا عن عمّي حديده ، وردّوه إليّ مكرّما .
فلمّا ردّ إليه ، قال : يا عمّ ، صر إلى المنادمة ، وارجع إلى الأنس ، فلن ترى منّي أبدا إلّا ما تحب ، [ فلقد حبّب إليّ العفو ، حتى خفت أن لا أؤجر عليه ، أمّا أنه لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة ، لتقرّبوا إلينا بالذنوب ، لا تثريب اليوم عليك يا عمّ ، يغفر اللّه لنا ولك ، ولو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن إساءتك ، ولو لم يكن في حقّ قرابتك ، ما يستحقّ العفو عن جرمك ، لبلغت ما أمّلت بحسن تنصّلك ، ولطف توصّلك ، ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله إليه ] « 5 » .
فلمّا كان من الغد ، بعث إليه إبراهيم درجا فيه هذه الأبيات : [ 193 ر ]
هامش
( 5 ) لا توجد في غ .