فقلت : قد أقال اللّه عثرتك .
قال : وما مضت لي في داره ، خمسون ليلة ، حتى سار إليّ في نصف الليل ، فأخرجني ، وألقى عليّ درعا ، وظاهر بدرّاعة « 5 » ، وحملني على دابّة ، وهو يركض إلى الجانب الغربي ، فوقفني بين الجسر والخلد « 6 » .
فوقع في نفسي أنّ إلقاءه عليّ الدرع ، إنّما هو لإيراده إيّاي على سكران ، فأراد أن يقيني بادرته ، وعلمت أنّه أراد أنّه إذا ورد عليّ أمر ، أن أتماوت .
فخلّفني مع أصحابه ، ومصى يركض ، ثم عاد إليّ .
ثم قال : يقول لك أمير المؤمنين : يا فاسق ، ألم يكن لك في السابق القديم من فعلك ، كفاية تحوّلك عمّا كان منك في هذه الليلة التي وثب فيها عليّ ابن عائشة وابن الأفريقيّ ، ومن يتابعهما « 7 » ، وأضرابهم ، [ 24 ن ] حتى اضطروني إلى أن ركبت إلى المطبق لمحاربتهم ، حتى أظفرني اللّه جلّ وعزّ بهم ، فقتلتهم ، وأنا ملحقك بهم ، فاحتجّ لنفسك ، إن كانت لك حجّة ، وإلّا فإنّك لاحق بهم .
فعلمت أنّ الرسالة ممن غلب عليه النبيذ ، وأنّي أحتاج إلى إغضابه ، حتى يغلب غضبه السكر .
فقلت : يا أبا العبّاس ، دمي في عنقك ، فاتّق اللّه ، ولا تقتلني .
هامش
( 5 ) قوله ظاهر بدراعة ، يعني أنّه ألبسه دراعة ظاهرة فوق الدرع .
( 6 ) الجسر المقصود ، هو جسر باب الطاق ، الذي حلّ محلّه الآن جسر الصرافية الحديد ، وقصر الحلد ، كان على الشاطئ الغربي لدجلة شمالي الجعيفر .
( 7 ) كان ابن عائشة وهو إبراهيم بن محمّد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الامام ، والأفريقي وهو محمّد بن إبراهيم ، من قوّاد إبراهيم بن المهديّ ، وشاركا في محاربة جيش المأمون ( ابن الأثير 6 / 344 ) وقد تآمر هذان مع آخرين في السنة 210 على خلع المأمون ومبايعة إبراهيم بن المهديّ ، فنمّ عليهم أحد المشتركين معهم ، فأخذوا ، وركب المأمون إلى السجن وأخذهما ، واثنين من رفاقهما ، فضرب أعناقهم ، للتفصيل راجع تاريخ بغداد لابن طيفور 96 - 99 وابن الأثير 6 / 391 ، 392 ، والطبري 8 / 602 604 .