وقلت في نفسي : أنا في موضع الوزارة ، وقد [ 186 م ] جعلني مستحثّا إلى عامل ، ومستخرجا ، ولكنّ أمر الخليفة لا بدّ من سماعه ، وامتثال مرسومه .
وسرت حتى قدمت بغداد ، ولم أقم بها إلّا ثلاثة أيّام ، وانحدرت منها في زلّال « 2 » ، أريد البصرة « 3 » ، وجعل لي فيه خيش ، واستكثرت من الثلج لشدّة الحرّ .
فلمّا صرت بين جرجرايا « 4 » ، وجبّل « 5 » ، سمعت صائحا من الشاطئ ، يصيح :
يا ملّاح ، فرفعت سجف الزلّال ، فإذا بشيخ كبير السنّ حاسر الرأس ، حافي القدمين ، خلق القميص .
فقلت للغلام : أجبه ، فأجابه .
هامش
( 2 ) الزلّال : نوع من الزوارق ، والظاهر من اسمها أنّها سريعة الإنسياب على وجه الماء ، راجع معجم المراكب والسفن في الاسلام لحبيب زيّات ، مادة : زلّال .
( 3 ) البصرة : ثغر العراق ، أمّ النخيل ، إحدى أمّهات مدن العراق ، الشهيرة الذكر في الآفاق ، الفسيحة الأرجاء ، المونقة الأفناء ، مدينة الدنيا ، ومعدن تجاراتها وأموالها ، بناها العرب سنة 16 في عهد الخليفة عمر ، وكانت مرتعا خصبا للحروب الأهلية ، وازدهرت فيها التجارة البحريّة ، والحياة العقلية ، ثم جاءتها ضربات من الزنج ، والقرامطة ، خربتها حتى ضرب بخرابها المثل ، راجع دائرة المعارف الإسلامية 3 / 669 - 672 والبلدان لليعقوبي 1 / 636 - 652 وأحسن التقاسيم للمقدسي 117 و 118 ورحلة ابن بطّوطة 1 / 139 - 142 .
( 4 ) جرجرايا : بلد من أعمال النهروان الأسفل ، بين واسط وبغداد ، في الجانب الشرقي من دجلة ، خربت مع ما خرب من النهروانات ( معجم البلدان 2 / 54 ) .
( 5 ) جبّل : بليدة بين النعمانيّة وواسط ، في الجانب الشرقي من دجلة ، قال ياقوت في معجم البلدان 2 / 23 :
كانت مدينة ، وهي الآن قرية كبيرة ، أقول : اشتهرت قصّة قاضي جبّل ، ورويت في أكثر من كتاب خلاصتها : أنّ أبا يوسف القاضي ، نصب قاضيا على جبل ، وبلغه أنّ الرشيد سيمرّ بجبّل ومعه أبو يوسف ، فكبّر عمامته ، وسرّح لحيته ، ووقف في المشرعة ، حتى مرّت حرّاقة الرشيد ، فصاح : يا أمير المؤمنين ، نعم القاضي قاضي جبّل ، عدل فينا ، وصنع كذا وكذا ، ثم وقف لهما في المشرعة الثانية ، والثالثة ، فقال الرشيد : هذا أعجب قاض على وجه الأرض ، لم يمتدحه إلّا رجل واحد ، فقال أبو يوسف :
وأعجب من ذلك ، أنّ المثني على القاضي ، هو القاضي ، فضحك الرشيد ، حتى فحص برجله الأرض ، وعزله .