ثم قال لي : أشاعر أنت ، أم راوية للشعر ؟
قلت : راوية .
قال : لمن ؟
قلت : لكلّ ذي جدّ وهزل ، بعد أن يكون محسنا .
فقال : أنصف القارة من راماها .
ثم قال : ما معنى هذه الكلمة ؟
قلت : لها وجهان ، زعمت التبابعة ، أنّه كان لها رماة لا تقع سهامها في غير الحدق ، فكانت تكون في الموكب الذي يكون فيه [ 18 ن ] الملك ، فخرج فارس معلم بعذبات سمور في قلنسوته ، فنادى : أين رماة الحدق ؟
فقالت العرب : أنصف القارة من راماها .
والوجه الآخر : الموضع المرتفع من الأرض ، والجبل الشاهق ، فمن ضاهاه بفعاله فقد راماه ، وما أحسب هذا هو المعنى ، لأنّ المراماة ، كالمعاطاة ، وكما أنّ المعاطاة للنديم ، هي أن يأخذ كأسا ، ويعطي كأسا ، كذلك المراماة ، أن يرميها وترميه .
فقال : أصبت ، فهل رويت للعجّاج بن رؤبة « 1 » شيئا ؟
قلت : الأكثر .
قال : أنشدني قوله :
أرّقني طارق همّ طرقا
فمضيت فيها مضيّ الجواد ، تهدر أشداقي ، فلمّا بلغت مدحه لبني أميّة ، ثنيت عنان اللسان ، لامتداحه المنصور .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، وأحسب أن الصحيح : رؤبة بن العجّاج ، الراجز المشهور ، إذ أنّ والده العجّاج بن رؤبة ، توفّي في السنة 90 ولم يدرك المنصور ، وانّما أدركه ولده أبو الجحّاف رؤبة ، إذ كان من مخضرمي الدولتين الأمويّة والعبّاسيّة ، ومات بالبادية سنة 145 ( الأعلام 3 / 62 و 4 / 217 ) .