فدخل إليّ بوّابي ، فقال : بالباب رجل يقول : أنا من قرابة الصولي ، قدمت من بغداد بكتب إليك ، وذكره لي ، فلم أذكره .
وقلت : أدخله .
فدخل رجل شيخ لم أعرفه ، فسلّم ، وجلس ، وقال : أنا خادم القاضي منذ كان في المكتب ، أنا قرابة الصولي ، فعرفته ، ولم أذكر الخطّ ، ولا القضية .
فأخرج إليّ كتبا من جماعة رؤساء ببغداد ، يذكرون أنّه قد كان مقيما منذ سنين ، ببغداد ، ورّاقا بقصر وضّاح « 5 » بالشرقية « 6 » ، بحالة حسنة ، فلحقته محن أفقرته ، ويسألوني تصريفه ، ومنفعته ، فوعدته جميلا .
فقال : إنّما جعلت هذه الكتب ، طريقا يعرفني القاضي بها ، وما أعوّل الآن عليها ، إذ قد أحياني اللّه عزّ وجلّ ، إلى أن رأيته قاضيا في بعض عمل أبيه رضي اللّه عنه ، وجاهه ونعمته ، كجاهه ونعمته ، أو قريب من ذلك ، وقد حلّ لي بذلك دين عليه ، واجب في ذمته ، وما أقنع إلّا به .
فقلت : ما معنى هذا الكلام [ 179 ر ] .
فقال : أينسى القاضي ديني ؟ ثمّ أخرج رقعتي الّتي كان أخذها منّي في المكتب .
فحين رأيتها ، ذكرت الحديث ، وحمدت اللّه كثيرا ، وقلت : دين واجب حالّ ، وحقّ مرعيّ وكيد ، ولكن تعرف صعوبة الزمان ، واللّه ، ما يحضرني اليوم مائة دينار منها ، ولو حضرت ، ما صلح أن أشتهر بصلتك بها ،
هامش
( 5 ) قصر وضّاح : قال ياقوت في معجم البلدان 4 / 123 إنّها محلّة بالجانب الغربي من بغداد تنسب إلى وضّاح بن شبا مولى المنصور ، قال الشاعر :سقى اللّه باب الكرخ من متنزّه * إلى قصر وضّاح فبركة زلزال( 6 ) الشرقيّة : محلّة بالجانب الغربي من بغداد ، قيل لها الشرقيّة ، لأنّها شرقي مدينة المنصور ( معجم البلدان 3 / 279 ) .