فبادر بعض الخدم إلى موسى ، فأخبره بذلك ، فجلس ينظر في وجوه يردّ منها المال .
وصار إليه عتّاب بالتوقيع مختوما ، وكان يوما شديد الحرّ ، وقد انتصف النهار ، وموسى [ 63 م ] في خيش « 5 » ، في حجرة من ديوانه ، وفيه مروحة « 6 » ، يتناوبها فرّاشان « 7 » يروّحانه ، فدخل عتّاب ، وفي يد موسى كتاب طويل يقرأه ،
هامش
( 5 ) الخيش : نسيج خشن من الكتّان كان يعلّق في مجاري الهواء ، ويرشّ بالماء ، فيبرّد ما وراءه ، وأوّل من اتّخذ له الخيش المنصور ، وقد كانت الأكاسرة في صيفها يطيّن لها سقف بيت في كلّ يوم صائف فتكون قيلولة الملك فيه ، وكان يؤتى بأطباق الخلاف ( نوع من الصفصاف ) طوالا ، فتوضع حول البيت ، ويؤتى بقطع الثلج الكبار ، فتوضع بين أضغاثها ، وكان بنو أميّة يفعلون مثل ذلك ، فلمّا كان في أوّل خلافة المنصور ، طيّن له بيت في الصيف ليقيل فيه ، فاتّخذ له أبو أيوب المورياني ثيابا كثيفة تبلّ وتوضع على الآلة التي يقال لها بالفارسية سيپايه ، ( سي پايه ) ، فوجد بردها ، فاستطابها ، فقال :
أحسب أنّ هذه الثياب لو اتّخذت من أكثف منها ، لحملت من الماء أكثر ممّا تحمل هذه ، وكانت أبرد ، فاتّخذ له الخيش ، فكان ينصب على قبّة ، ثم اتّخذت بعدها الشرائج ، فاتّخذها الناس ( لطائف المعارف 19 ) ، أقول : وقد أدركنا الناس وهم لا يستعملون الخيش للتبرّد ، وإنّما يستعملون نوعا من الشوك طيّب الرائحة ، يسمى العاقول ( تلفظ القاف كافا فارسيّة واللام مفخّمة ) يرصّ بين أعواد الجريد ، ويقام في مجرى الهواء ، ويرشّ بالماء ، فينبعث منه نسيم عذب بليل ، وكان هارون الرشيد يؤذيه الخيش ، راجع في الطبري 8 / 356 كيفيّة تصرّفه لاتّقاء الحرّ ، دون أن يحتاج إلى الخيش .
( 6 ) المروحة ، وجمعها مراوح وقد تسمّى : المذبّة ، وجمعها مذابّ : كلّ أداة يحرّك بها الهواء عند اشتداد الحرّ ، ومروحة الخيش ، تشبه شراع السفينة ، وتعلّق في السقف ، وتبلّ بالماء ، أو ترشّ بماء الورد ، ويشدّ بها حبل ، فإذا جذبت بالحبل روّحت على ما تحتها ، روحة وجيئة ، وهبّ منها نسيم طيّب ، وذكروا أنّ أوّل من أمر بصنع هذه المروحة هارون الرشيد ، دخل يوما على أخته عليّة بنت المهديّ في قيظ شديد ، فألقاها قد صبغت ثيابا من زعفران وصندل ، وشرّتها على الحبل لتجفّ ، فجلس هارون قريبا من الثياب المشرورة ، فجعلت الرّيح تمرّ على الثياب ، فتحمل منها ريحا بليلة عطرة ، فوجد لذلك راحة من الحرّ ، واستطابه ، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثلها ( مطالع البدور 1 / 65 ، 66 ) والمذابّ عباسيّة ، أمّا قبل العباسيين ، فكان الغلمان يقفون على رؤوس ساداتهم ، يذبّون عنهم بالمناديل ( الأغاني 13 / 280 ) .
( 7 ) الفرّاش : الأجير الذي يخدم الكتّاب والمتصرفين في الديوان ، وينفذونه في حوائجهم ، وما زال هذا اسمه ببغداد .