صاحب البريد
اختلف المؤرخون في أصل كلمة البريد ، فقيل إنّ أصلها فارسي من : پريدن ، أي العبور ( المعجم الذّهبي ، فارسي - عربي ) ، وقيل ، من : بريده دم ، أي محذوف الذنب ، لأنّ دواب البريد كانت كذلك ( شفاء الغليل 39 ) وقيل من : بردن ، أي نقل وحمل ( الألفاظ الفارسيّة المعرّبة 18 ) ، وقيل : إنّ أصلها لاتيني ، من
veredus
، ومعناها :
دابة البريد ، ثمّ صرفت إلى ناقل البريد ، ثم أطلقت بعد ذلك على نظام البريد ( دائرة المعارف الإسلاميّة 3 / 609 ، والألفاظ الفارسيّة المعرّبة 18 ) .
والبريد : ولاية جليلة خطيرة ، ومتقلّدها يحتاج إلى جماعة كثيرة ، وإلى مواد غزيرة ، ومن جملة أعماله حفظ الطريق ، وبذرقتها ، وصيانتها من القطّاع والسرّاق ، وطروق الأعداء ، وانسلال الجواسيس في البرّ والبحر ، وإليه ترد كتب أصحاب الثغور ، وولاة الأطراف ، وهو يوصلها بأسرع ما يمكن من اختصار الطرق ، واختيار المراكب والراكب ( آثار الدول 85 ) ، وأصحاب البريد للملوك ، بمنزلة العيون الباصرة ، والآذان السامعة ، فإن أهمل الملك ذلك ، ولم يكشف له حال أوليائه وأعدائه ، انطوف عنه الأخبار ، ولم تستقم له السياسة ، بل لا يحسّ بالشرّ حتّى يقع فيه ( آثار الدول 83 ) .
وأوّل من وضع البريد ، معاوية بن أبي سفيان ( الفخري 106 ) ولم يكن البريد ، عندئذ ، مثل ما نعرفه الآن في نقل الرسائل ، وإنّما كان مقصورا على نقل ما يهمّ الدّولة ورجالها ، كما كان صاحب البريد ، في كلّ كورة ، بمثابة عين للخليفة يكتب إليه بكلّ ما يقع عليه بصره ، أو يصل إلى أذنه من أخبار ( تاريخ بغداد لابن طيفور 64 ) .
وقال المنصور يوما : ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر ، لا يكون على بابي أعفّ منهم ، وهم أركان الملك لا يصلح إلّا بهم ، أوّلهم : قاض لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وثانيهم : صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي ، وثالثهم : صاحب خراج يستقصي لي ، ولا يظلم الرعيّة ، أمّا الرابع : فصاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء ، على وجه الصحّة ( لطف التدبير 13 ، ابن الأثير 6 / 26 ، الطبري 8 / 66 ) .
ومن مشاهير من ولّي البريد ، أبو تمام حبيب بن أوس الطّائي ، الشّاعر المشهور ، فإنّ الحسن بن وهب ولّاه بريد الموصل ، فأقام بها أقلّ من سنتين ، ومات سنة 231 فبنى على قبره أبو نهشل بن حميد الطوسي قبّة ( وفيات الأعيان 2 / 15 - 17 ) ، وأحسب أنّ ذلك جزاء رثائه محمّد بن حميد الطّوسي بقصيدته العجيبة ، الّتي مطلعها :