ببرذونه إلى الكراء ، فيكسب عليه ما يعلفه ، وما ينفقه هو وغلامه .
فاتّفق في بعض الأيّام أنّ الدابّة لم تكسب شيئا ، فبات هو وغلامه طاويين « 12 » ، قال : ونالنا من الغد مثل ذلك .
فقال غلامي : يا مولاي ، نحن نصبر ، ولكن الشأن في الدابّة ، فإنّي أخاف أن تعطب .
قلت : فأيّ شيء أعمل ؟ ليس إلا السّرج ، واللّجام ، وثيابي ، وإن بعت من ذلك شيئا ، تعطّلت عن الحركة ، وطلب التصرّف .
قال : فانظر في أمرك .
فنظرت ، فإذا بحصيري [ 35 ر ] خلق ، ومخدّتي لبنة مغشّاة بخرقة ، أدعها تحت رأسي ، ومطهرة خزف للطهور ، فلم أجد غير منديل دبيقيّ « 13 » خلق ، قد بقي منه الرّسم .
فقلت للغلام : خذ هذا المنديل ، فبعه ، واشتر علفا للدابّة « 14 » ، ولحما بدرهم ، واشوه ، وجيء به ، فقد قرمت إلى أكل اللحم « 15 » .
فأخذ المنديل ، ومضى ، وبقيت في الدّار وحدي ، وفيها شاهمرج « 16 » قد جاع لجوعنا ، فلم أشعر إلّا بعصفور قد سقط في المطهرة الّتي فيها الماء للطهور ، عطشا ، [ فشرب ، فنهض إليه الشاهمرج ، فناهضه ، فلضعفه ما قصر عنه ،
هامش
( 12 ) الطوى ، بالفتح : الجوع .
( 13 ) دبيق : بليدة بمصر بين الفرما وتنيس ، تنسب إليها الثياب الدبيقيّة ( معجم البلدان 2 / 548 ) .
( 14 ) في م : واشتر عليفا للدابّة ، والعليق والعلف ، بمعنى واحد ، وهو ما تطعمه الدواب .
( 15 ) قرم إلى اللحم : اشتدّت شهوته له .
( 16 ) شاهمرج : معرب : شاه مرغ ، ومعناه ملك الطير ، طائر طويل الساقين يأكل الحيّات ، والحشرات ، والجيف ( الحيوان للجاحظ 1 / 28 و 3 / 336 و 4 / 166 و 301 و 6 / 374 والمخصّص لابن سيده 8 / 153 ) .