ومن صفة هذا العالم العاقل إذا عارضه في مجلس العلم والمناظرة بعض من يعلم أنه يريد مناظرته للجدل والمراء والمغالبة لم يسعه مناظرته ؛ لأنه قد علم أنه إنما يريد أن يدفع قوله وينصر مذهبه ، ولو أتاه بكل حجة مثلها يجب أن يقبلها لم يقبل ذلك ونصر قوله ، ومن كان هذا مراده لم تؤمن فتنة ولم تحمد عواقبه ، ويقال لمن مراده في المناظرة والمغالبة والجدل : أخبرني إذا كنت أنا حجازيّا وأنت عراقيّا وبيننا مسألة على مذهبي أقول أنا : إنها حلال . وعلى مذهبك أنها حرام ، فسألتني المناظرة لك عليها ، وليس مرادك في مناظرتك الرجوع عن قولك ، والحق عندك أن أقول فيها قولك ، وكان عندي أنا أن أقول وليس مرادي في مناظرتي الرجوع عمّا هو عندي ، وإنما مرادي أن أردّ قولك ، ومرادك أن ترد قولي ، فلا وجه لمناظرتنا ، فالأحسن بنا السكوت على ما تعرف من قولك وعلى ما أعرف من قولي وهو أسلم لنا وأقرب إلى الحق الذي ينبغي أن نستعمله . فإن قال : وكيف ذلك ؟ قيل : لأنك تريد أن أخطئ الحق وأنت على الباطل ، ولا أوفق للصواب ، ثم تسر بذلك وتبتهج به ويكون مرادي فيك كذلك ، فإذا كنا كذلك فنحن قوم سوء لم نوفق للرّشاد ، وكان العلم علينا حجة وكان الجاهل أعذر منا .
قال محمد بن الحسين : وأعظم من هذا كله أنه ربما احتج
أخلاق العلماء — صفحة 65
مساهمون: محمد بن الحسين الآجري
ص٦٥