بينه وبين أحد أجل « 1 » معلوم . وأنت عن موعظتي غني بما عندك من العلم ، ولكن رأيت أن أقضي من حقك ، فأنت أخونا وما قبلنا « 2 » مبذول لك .
فلما سمع الغراب كلام السلحفاة للجرذ ومردودها عليه وإلطافها إياه « 3 » فرح بذلك وقال : لقد سررتني وأنعمت عليّ وأنت جديرة أن تسري نفسك بمثل ما سررتني . وإن أولى أهل الدنيا بشدة السرور من لا يزال ربعه « 4 » من إخوانه وأصدقائه من الصالحين معمورا ، ولا يزال عنده منهم جماعة يسرهم ويسرونه ويكون من وراء أمورهم وحاجاتهم بالمرصاد « 5 » فإن حسن الثناء لا يزال صاحبه في عاقبته حيثما توجه . فإن الكريم إذا عثر لا يقيل عثرته « 6 » ويأخذ بيده إلا الكرام كالفيل إذا وحل لا تخرجه إلا الفيلة .
فبينما الغراب في كلامه والثلاثة مستأنسون بعضهم ببعض إذ أقبل نحوهم ظبي يسعى مذعورا « 7 » ، فذعرت منه السلحفاة فغاصت في الماء ودخل الجرذ بعض الاجحار ، وطار الغراب فوقع على شجرة ، وانتهى إلى الماء فشرب منه يسيرا ثم وقف خائفا يلتفت يمينا وشمالا . ثم إن الغراب حلق في السماء لينظر هل للظبي طالب ، فنظر فلم ير شيئا ، فنادى الجرذ والسلحفاة فخرجا . فقالت السلحفاة للظبي حين رأته ينظر إلى الماء ولا يقربه : اشرب إن كان بك عطشا ولا تخف ، فإنه لا خوف عليك ، فدنا الظبي فرحبت به السلحفاة وحيته وقالت له :
من أين أقبلت ؟ قال : كنت بهذه الصحاري « 8 » راتعا « 9 » ، فلم يزل
هامش
( 1 ) أجل : ميعاد .
( 2 ) قبلنا : عندنا .
( 3 ) الطافها : ملاطفتها له .
( 4 ) ربعه : منزله .
( 5 ) وقف . أو كان له بالمرصاد : راقبه ، تتبعه بملاحظته .
( 6 ) يقيل عثرته : ينهضه من سقطته .
( 7 ) مذعورا : خائفا .
( 8 ) الصحاري : جمع صحراء وهي الأرض الرملية الواسعة .
( 9 ) راتعا : آكلا وشاربا في خصب وسعة .