فيها لم يكن ينتفع من ذلك إلا بالقليل الذي يدفع به عن نفسه الحاجة ، وما سوى ذلك فليس له منه إلا ما لغيره من النظر إليه فحسب « 1 » .
فلما فرغ الجرذ من كلامه أجابته السلحفاة بكلام رقيق وقالت :
قد سمعت كلامك ، وما أحسن ما تكلمت به ! إلا أني رأيتك تذكر بقايا أمور هي في نفسك من حيث قلة مالك وسوء حالك واغترابك عن موطنك . فاطرح ذلك عن قلبك واعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل ، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن لم يتداو به لم يغن علمه به شيئا ولم يجد لدائه راحة ولا خفة . فاستعمل رأيك ولا تحزن لقلة المال ، فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب وان كان رابضا « 2 » ، والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كان كثير المال كالكلب لا يحفل « 3 » به وإن طوّق وخلخل بالذهب . فلا تكبرن عليك غربتك ، فإن العاقل لا غربة له كالأسد الذي لا ينقلب « 4 » الا معه قوته . فلتحسن تعهدك « 5 » لنفسك فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك من كل مكان كما يطلب الماء انحداره ، وإنما جعل الفضل للحازم البصير ، وأما الكسلان المتردد فان الفضل لا يصحبه .
وقد قيل في أشياء ليس لها ثبات ولا بقاء : ظل الغمامة « 6 » في الصيف ، وخلة « 7 » الأشرار ، وعشق النساء ، والنبأ الكاذب ، والمال الكثير . فالعاقل لا يحزن لقلته ، ولكن ماله عقله وما قدم من صالح عمله فهو واثق أنه لا يسلب ما عمل ولا يؤاخذ بشيء لم يعمله ، وهو خليق ألا يغفل عن أمر آخرته ، فإن الموت لا يأتي إلا بغتة وليس
هامش
( 1 ) حسب : فقط .
( 2 ) رابضا : قاعدا .
( 3 ) يحفل : يبالي .
( 4 ) ينقلب : يتحول
( 5 ) تعهدك : تفقدك .
( 6 ) الغمامة : الغيمة .
( 7 ) خلة : مصادقة .