ذكر المال رعدة « 1 » وهيبة . ثم تذكرت فوجدت البلاء في الدنيا إنما يسوقه الحرص والشره لأنهما لا يزالان يدخلان صاحبهما من شيء إلى شيء ، والأشياء لا تنفذ « 2 » ولا تنتهي ، ولا يزال صاحب الدنيا في بلية وتعب ونصب « 3 » . ووجدت ركوب الأهوال وتجشم « 4 » الأسفار البعيدة في طلب الدنيا أهون عليّ من بسط اليد إلى السخي بالمال فكيف بالشحيح به ، ولم أر كالرّضى شيئا . ووجدت العلماء قد قالوا : لا عقل كالتدبير ، ولا ورع ككف الأذى ، ولا حسب « 5 » كحسن الخلق ، ولا غنى كالرضى . وأحق ما صبر الإنسان على الشيء نفسه « 6 » وأفضل البر الرحمة . ورأس المودة الاسترسال « 7 » ورأس العقل معرفة ما يكون مما لا يكون . وقالوا : الخرس خير من اللسان الكذوب ، والضر « 8 » والفقر خير من النعمة « 9 » والسعة من أموال الناس . فصار أمري إلى أن رضيت وقنعت وانتقلت من بيت الناسك إلى البرية . وكان لي صديق من الحمام فسيقت « 10 » إليّ بصداقته صداقة الغراب . والتفت إلى السلحفاة فقال ثم ذكر لي الغراب ما بينك وبينه من المودة وإخبرني انه يريد إتيانك فأحببت ان آتيك معه . وكرهت الوحدة ، فإنه لا شيء من سرور الدنيا يعدل صحبة الإخوان ، ولا غمّ فيها يعدل البعد عنهم . وجربت فعلمت أنه لا ينبغي للملتمس « 11 » من الدنيا غير الكفاف « 12 » الذي يدفع به الأذى عن نفسه وهو يسير من المطعم والمشرب إذا أعين بصحة وسعة . ولو أن رجلا وهبت له الدنيا بما
هامش
( 1 ) رعدة : رجفة . . الاسم من الارتعاد وهو الخوف .
( 2 ) تنفذ : تفرغ .
( 3 ) نصب : تعب .
( 4 ) تجشم : تكلف .
( 5 ) الحسب : ما ينشئه الرجل لنفسه من المفاخر .
( 6 ) صبر نفسه على الشيء : حبسها عليه واقنعها به .
( 7 ) الاسترسال : حسن الثقة بالصديق والاطمئنان اليه والدلالة عليه .
( 8 ) الضر : بمعنى الفقر .
( 9 ) النعمة : التنعم .
( 10 ) سيقت : مجهول من ساق اليه كذا : وجهه اليه .
( 11 ) الملتمس : الطالب .
( 12 ) الكفاف : مقدار الحاجة فقط .