بعد فراق الأحبة ، وإذا فارق الأليف أليفه ، فقد سلب فؤاده ، وحرم سروره ، وغشي على بصره . فلم ينته كلامهما حتى وافى « 1 » القانص ووافق ذلك فراغ الجرذ من قطع الشرك ، فنجا الظبي بنفسه وطار الغراب محلقا ودخل الجرذ بعض الأجحار ، ولم يبق غير السلحفاة ودنا الصياد فوجد حبائله مقطعة ، فنظر يمينا وشمالا فلم يجد غير السلحفاة تدب فأخذها وربطها .
فلم يلبث « 2 » الغراب والجرذ والظبي ان اجتمعوا فنظروا القانص قد ربط السلحفاة فاشتد حزنهم وقال الجرذ : ما أرانا « 3 » نجاوز عقبة « 4 » من البلاء إلا صرنا إلى أشد منها . ولقد صدق الذي قال : لا يزال الإنسان مستمرا في إقباله ما لم يعثر ، فإذا عثر لج « 5 » به العثار . .
وإن مشى في جدد « 6 » الأرض . وحذري على السلحفاة خير الأصدقاء التي خلتها ليست للمجازاة ولا لالتماس مكافأة ، ولكنها خلة الكرم والشرف ، خلة هي أفضل من خلة الوالد لولده ، خلة لا يزيلها إلا الموت ويح « 7 » لهذا الجسد الموكل « 8 » به البلاء الذي لا يزال في تصرف وتقلب ، ولا يدوم له شيء ، ولا يلبث معه امر كما لا يدوم للطالع من النجوم طلوع ولا للآفل « 9 » منها أفول ، لكن لا يزال الطالع منها أفلا والآفل طالعا . وكما تكون الام الكلوم « 10 » وانتقاض « 11 » الجراحات ، كذلك حالي انا الذي ذكرني هذا البلاء سابق أحوالي ، كالجرح المندمل « 12 » تصيبه الضربة فيجتمع عليه ألمان ، ألم الضربة وألم
هامش
( 1 ) وافى : اتى ، جاء .
( 2 ) لم يلبث : لم يتأخر ، لم يبطىء .
( 3 ) أرانا : أرى أنفسنا .
( 4 ) عقبة : الأصل فيها الطريق الصعبة في الجبل والمراد بها هنا الورطة .
( 5 ) لج : تمادى .
( 6 ) جدد الأرض : الغليظ المستوي من الأرض .
( 7 ) ويح : ويل
( 8 ) الموكل به : المنوط ، المتعلق به .
( 9 ) أفلت الشمس تأفل : غابت ، والآفل . الغارب .
( 10 ) الكلوم : الجراح .
( 11 ) انتقاض : انتكاس .
( 12 ) المندمل : الذي برئ .