ينبغي أن ينظر إلى كل رجل بما عنده لأنه لا شيء أقرب إلى الرجل من جسده ، ومن جسده ما يدوى « 1 » حتى يؤذيه ولا يدفع ذلك عنه إلا بالدواء الذي يأتيه من بعد .
فلما فرغ دمنة من مقالته هذه أعجب الأسد به إعجابا شديدا وأحسن الرد عليه وزاد في كرامته . ثم قال الملك لجلسائه : ينبغي للسلطان ألا يلح في تضييع حق ذوي الحقوق ، فإن عاقبة ذلك رديئة حتى ممن لا يتوقع أذاه . والناس في ذلك رجلان : رجل طبعه الشراسة فهو كالحية إن وطئها الواطىء فلم تلدغه لم يكن جديرا أن يغرّه ذلك منها فيعود إلى وطئها ثانية فتلدغه ؛ ورجل أصل طباعه السهولة ، فهو كالصندل « 2 » البارد الذي إذا أفرط في حكه صار حارّا مؤذيا .
ثم إن دمنة استأنس بالأسد وخلا به ، فقال له يوما : رأيت الملك قد أقام في مكان واحد لا يبرح منه ، خلافا لمألوفه . وهو ، أعظمه اللّه ، منيع الجانب نافذ الأمر آمن الساحة . فرأيت أن أتطاول عليه بالاستفهام على وجه النصيحة فإن الأمور الخفية لا يظهرها إلا البحث عنها ، فإذا أظهرت أجيلت الفكرة فيها . فبينما هما في هذا الحديث إذ خار شتربة خوارا « 3 » شديدا ، فهيج الأسد وكره أن يخبر دمنة بما ناله . وعلم دمنة أن ذلك الصوت قد أدخل على الأسد ريبة « 4 » وهيبة .
فسأله : هل راب الملك « 5 » سماع هذا الصوت ؟
قال : لم يربني شيء سوى ذلك ، وهو الذي حبسني هذه المدة في مكاني ، وقد صح عندي من طريق القياس أن جثة صاحب هذا الصوت
هامش
( 1 ) يدوى : يصيبه داء .
( 2 ) الصندل : نوع من الخشب .
( 3 ) الخوار : صوت الثور .
( 4 ) ريبة : شيء يكرهه .
( 5 ) رابه : ادخل عليه ريبة .