ينل الرغائب . ومن ترك الأمر الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبة ومخافة لما لعله يتوقاه فليس ببالغ جسيما « 1 » .
وقد قيل : إن خصالا ثلاثا لن يستطيعها أحد إلا بمعونة من علّو همة وعظيم خطر « 2 » ، منها : صحبة السلطان ، وتجارة البحر ، ومناجزة العدو « 3 » . وقد قالت العلماء في الرجل الفاضل الرشيد إنه لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين ولا يليق به غيرهما : إما مع الملوك مكرما أو مع النساك متعبدا ، كالفيل إنما جماله وبهاؤه في مكانين . إما أن تراه في البرية وحشيا أو مركبا للملوك .
قال كليلة : خار اللّه لك « 4 » فيما عزمت عليه .
ثم إن دمنة انطلق حتى دخل على الأسد فعفر « 5 » وجهه بين يديه وسلم عليه . فقال الأسد لبعض جلسائه : من هذا ؟ فقال : هذا دمنة ابن سليط . فقال : قد كنت أعرف أباه . ثم سأله أين تكون . قال :
لم أزل مرابطا باب الملك « 6 » داعيا له بالنصر ودوام البقاء رجاء أن يحضر أمر فأعين الملك فيه بنفسي ورأيي . فإن أبواب الملك تكثر فيها الأمور التي ربما يحتاج فيها إلى الذي لا يؤبه « 7 » له . وليس أحد يصغر أمره إلا وقد يكون عنده بعض الغناء والمنافع على قدره حتى العود الملقى في الأرض ربما نفع فيأخذه الرجل فيحك به أذنه فيكون عدته « 8 » عند الحاجة إليه .
فلما سمع الأسد قول دمنة أعجبه وطمع أن يكون عنده نصيحة ورأي . فأقبل على من حضر فقال : إن الرجل ذا النبل والمروءة
هامش
( 1 ) جسيما : عظيما ، قدرا ومنزلة .
( 2 ) خطره : شرفه .
( 3 ) مناجزة العدو : مباشرة قتاله .
( 4 ) خار الله لك : جعل لك الخير .
( 5 ) عفر : مرغ .
( 6 ) مرابطا : مواظبا ، ملازما .
( 7 ) يؤبه : يكترث له ، يعتد به .
( 8 ) عدة الشيء : ما احتجت اليه فيه .