قال كليلة : هبك « 1 » وصلت إلى الأسد فما توفيقك عنده الذي ترجو أن تنال به المنزلة عنده والحظوة « 2 » لديه ؟
قال دمنة : لو دنوت منه وعرفت أخلاقه لرفقت في متابعته وقلة الخلاف له . وإذا أراد أمرا هو في نفسه صواب ، زينته له وصبرته عليه وعرفته بما فيه من النفع والخير . وشجعته عليه وعلى الوصول إليه حتى يزداد به سرورا . وإذا أراد أمرا يخاف عليه ضره وشينه « 3 » بصّرته بما فيه من الضرر والشين ، وأطلعته على ما في تركه من النفع والزين بحسب ما أجد اليه السبيل . وأنا أرجو أن أزداد بذلك عند الأسد مكانة ويرى مني ما لا يراه من غيري . فإن الرجل الأديب الرفيق لو شاء أن يبطل حقا أو يحق باطلا لفعل ، كالمصور الماهر الذي يصور في الحيطان صورا كأنها خارجة وليست بخارجة ، وأخرى كأنها داخلة وليست بداخلة . فإذا هو عرف ما عندي وبان له حسن رأيي وجودة فكري التمس إكرامي وقربني إليه .
قال كليلة : أما إن قلت هذا فإني أخاف عليك من السلطان ، فإن صحبته خطرة وأحذرك من الذي أردته كعظم خطره عندك .
وقد قالت العلماء : إن ثلاثة لا يجترىء عليهن إلا أهوج ولا يسلم منهن إلا قليل ، وهي : صحبة السلطان وائتمان النساء على الأسرار وشرب السم للتجربة . وإنما شبه العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار والأنهار الجارية والجواهر النفيسة والأدوية النافعة وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضار مخوف . فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد .
قال دمنة : صدقت فيما ذكرت . غير أنه من لم يركب الأهوال لم
هامش
( 1 ) هبك : احسب نفسك .
( 2 ) الحظوة : المكانة والكرامة .
( 3 ) شينه : عيبه .