يكون خامل الذكر ، منخفض المنزلة ، فتأبى منزلته إلا أن تشب « 1 » وترتفع ، كالشعلة من النار يضرمها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا .
فلما عرف دمنة أن الأسد قد عجب منه وحسن عنده كلامه ، قال : أيها الملك ، إن رعية الملك تحضر بابه رجاء أن يعرف ما عندها من علم وافر ، كالزرع المدفون الذي لا يعرف فضله حتى يخرج ويظهر على قدر رأيه وعلى قدر ما يجد عنده من المنفعة . وقد قيل : أمران لا ينبغي لأحد أن يأتيهما « 2 » مثل أن يجعل الخلخال قلادة للعنق ، ومثل أن تجعل القلادة خلخالا في الرّجل .
وقد يقال : إن الفضل في أمرين ، فضل المقاتل على المقاتل والعالم على العالم ؛ وإن كثرة الأعوان إذا لم يكونوا مختبرين ربما تكون مضرة على العمل . فإن العمل ليس رجاؤه بكثرة الأعوان ولكن بصالحي الأعوان . ومثل ذلك مثل الرجل الذي يحمل الحجر الثقيل فيقتل به نفسه ولا يجد له ثمنا . وحامل الياقوت ، وإن قل ، يقدر على بيعه بالكثير من المال . والعمل الذي يحتاج فيه إلى الحيل والخداع لا يقتحمه إلا أفهم الرجال وأذكاهم . والرجل الذي يحتاج إلى الجذوع لا يجزئه « 3 » القصب ، وإن كثر . فأنت الآن ، أيها الملك ، حقيق أن لا تحقر مروءة أنت تجدها عند رجل صغير المنزلة ، فإن الصغير ربما عظم كالعصب الذي يؤخذ من الميتة ، فإذا عملت منه القوس أكرم فتقبض عليه الملوك وتحتاج إليه في البأس واللهو .
وأحب دمنة أن يري القوم أن ما ناله من كرامة الملك إنما هو لرأيه ومروءته وعقله لأنهم عرفوا قبل ذلك أن ذلك لمعرفته أباه .
فقال : إن السلطان لا يقرب الرجال لقرب آبائهم ولا يبعدهم ، ولكن
هامش
( 1 ) تشب : تهيج وتعلو .
( 2 ) يأتيهما : يفعلهما .
( 3 ) يجزئه : يغنيه ويكفيه .