قال دمنة : بالحس والرأي أعلم ذلك منه ، فإن الرجل ذا الرأي يعرف حال صاحبه وباطن أمره بما يظهر له من دله وشكله « 1 » .
قال كليلة : فكيف ترجو المنزلة عند الأسد ولست بصاحب السلطان ، ولا لك علم بخدمة السلاطين وآدابهم وآداب مجالسهم ؟
قال دمنة : الرجل الشديد القوي لا ينوء به « 2 » الحمل الثقيل وإن لم تكن عادته الحمل ، والرجل الضعيف لا يستقل به « 3 » وإن كان ذلك من صناعته .
قال كليلة : فإن السلطان لا يتوخى « 4 » بكرامته فضلاء من بحضرته ، ولكنه يؤثر « 5 » الأدنى ومن قرب منه .
قال دمنة : يقال إن مثل السلطان في إيثاره الأفضل دون الأدنى مثل شجر الكرم الذي لا يعلق إلا بأكرم الشجر .
قال كليلة : وكيف ترجو المنزلة عند الأسد ولم تكن دنوت منه من قبل ؟
قال دمنة : قد فهمت كلامك جميعه وتدبرت « 6 » ما قلت وأنت صادق . لكن أعلم أن الذين لهم المنازل الرفيعة عند الملوك ولا ذلك موضعهم ولا تلك منزلتهم ، ليسوا كمن دنا منه بعد البعد ، ولهم حق وحرمة ، وأنا ملتمس بلوغ مكانتهم بجهدي . وقد قيل : لا يواظب على باب السلطان إلا من يطرح الأنفة « 7 » ، ويحمل الأذى ، ويكظم « 8 » الغيظ .
ويرفق « 9 » بالناس ، ويكتم السر ، فإذا وصل إلى ذلك فقد بلغ مراده .
هامش
( 1 ) دله وشكله : كلاهما بمعنى ما يبدو من هيئته وحاله .
( 2 ) ينوء : يثقل وهو من باب القلب لان صاحب الحمل يثقله الحمل .
( 3 ) لا يستقل به : لا يحمله .
( 4 ) يتوخى : يقصد .
( 5 ) يؤثر : يفضل ويختار .
( 6 ) تدبرت : تأملت واعتبرت .
( 7 ) الانفة : عزة النفس .
( 8 ) يكظم : يحبس .
( 9 ) يرفق : يلطف .