وإنِّي اطّلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي ، فلم أرَ فيهم أطوع لي ولا أنصح لخلقي من أنبيائي ورسلي ، فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي ، وألزمتهم عبء « 1 » حجّتي ، واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحيي ، ثمّ ألقيت مكاناتهم تلك في منازلهم قلوب حوامّهم وأوصيائهم من بعد ، فألحقتهم بأنبيائي ورسلي ، وجعلتهم من ودائع حجّتي والاساة « 2 » في بريّتي ، لأجبر بهم كسر عبادي وأقيم بهم أودهم « 3 » ، ذلك أنّي بهم وبقلوبهم لطيف وخبير .
ثمّ اطّلعت على قلوب المصطفين من رسلي فلم أجد فيهم أطوع لي ولا أنصح لخلقي من محمّد خيرتي وخالصتي ، فاخترته على علمي ورفعت ذكره إلى ذكري ، ثمّ وجدت كذلك قلوب حامّته اللّائي من بعده على صفة قلبه فألحقتهم به وجعلتهم ورثة كتابي ووحيي وأركان « 4 » حكمتي ونوري ، وآليت بي أن لا اعذِّب بناري من لقيني معتصماً بتوحيدي وحبل مودّتهم أبداً .
قال آدم : فما هاتان الثلّتان العظيمتان ؟ قال اللَّه تقدّس اسمه : هؤلاء امّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أدركت نبيّها في علمه ، فآمنت به واتّبعت ، فألبستها نوراً من نوري ، ثمّ الّذي يلونهم كذلك حتّى أرث الأرض ومن عليها ولهم فيها قسمت لهم من فضلي ورحمتي منازل شتّى فأفضلهم سابقهم إذا كان أعلمهم بي وأعلمهم بطاعتي .
وهذه الثّلّة « 5 » العظمى الّتي ملأت بياضها وسوادها أرضي ، فهم أخابث خلقي وأشرار عبيدي ، وهم الّذين يدركون محمّداً خيرتي وسيِّد بريّتي ، فيكذّبونه صادقاً ويخوّفونه آمناً ويعصونه رؤوفاً وهم يعرفونه والنّور « 6 » الّذي أبعثه به ، يظاهرون على إخراجه من أرضه ،
هامش
( 1 ) - العبء : الثّقل .
( 2 ) - الاساة جمع الأسوة : القدوة .
( 3 ) - الأود : الاعوجاج والكدّ والتّعب .
( 4 ) - في نسخة : وأوكار .
( 5 ) - الثّلّة : الطّائفة ، جماعة من النّاس .
( 6 ) - أي القرآن الكريم .