يوماً وليلة ، وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامّون ، فأتيناهم وقد تقطّعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا ، فلمّا رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها ، وجئنا حتّى انتهينا إليهم ، فواقفناهم ، ونادانا صاحبهم الخرّيت بن راشد : يا عميان القلوب والأبصار ، أمع اللَّه أنتم وكتابه وسنّة نبيّه ، أم مع الظّالمين ؟ فقال له زياد بن خصفة : بل نحن مع اللَّه ومن اللَّه وكتابه ورسوله آثر عنده ثواباً من الدّنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى ، أيّها العُمى الأبصار ، الصّمّ القلوب والأسماع . فقال لنا : أخبروني ما تريدون ؟ فقال له زياد - وكان مجرّباً رفيقاً - : قد ترى ما بنا من اللّغوب والسّغوب ، والّذي جئنا له لايُصلحه الكلام علانية على رؤوس أصحابي وأصحابك ، ولكن أنزل وتنزل ، ثمّ نخلو جميعاً فنتذاكر أمرنا هذا جميعاً وننظر ، فإن رأيت ما جئناك فيه حظّاً لنفسك قبلته ، وإن رأيت فيما أسمعه منك أمراً أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردده عليك . قال : فانزل بنا ؛ قال : فأقبل إلينا زياد ، فقال : انزلوا بنا على هذا الماء ؛ قال : فأقبلنا حتّى إذا انتهينا إلى الماء ، نزلناه فما هو إلّاأن نزلنا فتفرّقنا ، ثمّ تحلّقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة ، يضعون طعامهم بين أيديهم فيأكلون ، ثمّ يقومون إلى ذلك الماء فيشربون . وقال لنا زياد : علّقوا على خيولكم ، فعلّقنا عليها مخاليها ، ووقف زياد بيننا وبين القوم ، وانطلق القوم فتنحّوا ناحية ، ثمّ نزلوا ، وأقبل إلينا زياد ، فلمّا رأى تفرّقنا وتحلّقنا قال : سبحان اللَّه ، أنتم أهل حرب ؟ واللَّه لو أنّ هؤلاء جاؤوكم السّاعة على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم الّتي أنتم عليها . اعجلوا ، قوموا إلى خيلكم ، فأسرعنا ، فتحشحشنا ، فمنّا من ينتقض ، ثمّ يتوضّأ ، ومنّا من يشرب ، ومنّا من يسقي فرسه ، حتّى إذا فرغنا من ذلك كلّه ، أتانا زياد وفي يده عرق ينهشه ، فنهش منه نهشتين أو ثلاثاً ، وأتى بأداوة فيها ماء ، فشرب منه ، ثمّ ألقى العرق من يده . ثمّ قال :
يا هؤلاء ، إنّا قد لقينا القوم ، وواللَّه إنّ عدّتكم كعدّتهم ، ولقد حزرتكم وإيّاهم ، فما أظنّ أحد الفريقين يزيد على الآخر بخمسة نفر ، وإنّي واللَّه ما أرى أمرهم وأمركم إلّايرجع إلى القتال ، فإن كان إلى ذلك ما يصير بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجز الفريقين . ثمّ قال لنا : ليأخذ كلّ امرئ منكم بعنان فرسه حتّى أدنو منهم ، وادعو إليّ صاحبهم فأكلِّمه ،
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 114
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١١٤