ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب ، للَّهأبوهم ؟ ! وهل كان منهم رجل أشدّ مقاساة وتجربة ولا أطول لها مراساً منِّي ؟ فوَاللَّه لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، فها أنا ذا قد زرّفت على السّتّين ولكن لا رأي لمَنْ لا يُطاع .
فقام إليه رجل من الأزد يقال له : حبيب بن عفيف ، آخذاً بيد ابن أخٍ له يقال له :
عبدالرّحمان بن عبداللَّه بن عفيف ، فأقبل يمشي حتّى استقبل أمير المؤمنين عليه السلام بباب السّدّة ، ثمّ جثا على ركبتيه ، وقال : يا أمير المؤمنين ! ها أنا ذا لا أملك إلّانفسي وأخي ، فمرنا بأمرك ، فوَ اللَّه لننفذنّ له ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا حتّى ننفذ أمرك أو نموت دونه ، فدعا لهما بخير وقال لهما : أين تبلغان ممّا نريد ؟
ثمّ أمر الحارث الأعور الهمدانيّ ، فنادى في النّاس : أين من يشري نفسه لربِّه ، ويبيع دنياه بآخرته ، أصبحوا غداً بالرّحبة إن شاء اللَّه ، ولا يحضرنا إلّاصادق النّيّة في المسير معنا والجهاد لعدوّنا ، فأصبح بالرّحبة نحو من ثلاثمائة ، فلمّا عرضهم قال : لو كانوا ألفاً كان لي فيهم رأي ، قال : وأتاه قوم يعتذرون وتخلّف آخرون ، فقال : وجاء المعذّرون وتخلّف المكذّبون ، قال : ومكث أمير المؤمنين أيّاماً بادياً حزنه شديد الكآبة ، ثمّ إنّه نادى في النّاس ، فاجتمعوا ؛ فقام خطيباً ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثمّ قال :
أمّا بعد ، أيّها النّاس ، فواللَّه لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب ، وما كانوا يوم أعطوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يمنعوه ومَنْ معه من المهاجرين حتّى يبلّغ رسالات ربّه إلّاقبيلتين صغير مولدهما ، وما هما بأقدم العرب ميلاداً ولا بأكثرهم عدداً ، فلمّا آووا النّبيّ صلى الله عليه وآله وأصحابه ، ونصروا اللَّه ودينه ، رمتهم العرب عن قوسٍ واحدة ، وتحالفت عليهم اليهود ، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة ، فتجرّدوا لنصرة دين اللَّه وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل ، وما بينهم وبين اليهود من العهود ، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكّة واليمامة وأهل الحزن والسّهل [ وأقاموا ] قناة الدّين ، وتصبّروا تحت أحلاس الجلاد حتّى دانت لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله العرب ورأى فيهم قرّة العين قبل أن يقبضه اللَّه إليه ، فأنتم في النّاس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزّمان من العرب .
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 1130
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١١٣٠