قليلون وقليل ما يبقون ، فواللَّه لو ترمونهم بالحجارة لقتلتموهم . فقال ابن سعد ( لعنه اللَّه تعالى ) : صدقت ، والرّأي ما أبرمت ، فأرسل إلى النّاس من يقسم عليهم أن لا يبارزوا أحد منهم أحداً ، ثمّ حمل ابن الحجّاج على أصحاب الحسين عليه السلام من نحو الفرات ، فاضطربوا ساعة ، فخرج مسلم بن عوسجة الأزديّ ، فانصرف ابن الحجّاج وانقشعت الغبرة والغمغمة ، فوجدوا مسلماً صريعاً ، فمشى إليه الحسين عليه السلام وبه رمق ، فقال : رحمك اللَّه يا مسلم بن عوسجة ، أنت سائر إلى الجنّة ، « فمنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدّلوا تبديلًا » ، ودنا إليه حبيب بن مظاهر ، وقال : عزّ واللَّه عليَّ مصرعك يا مسلم ، ابشر بالجنّة ، فقال :
بشّرك اللَّه بالخير ، فقال له حبيب : واللَّه لو أنّي ما أعلم أنّي على أثرك في ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بما أهمّك ، فقال له مسلم : لا أوصيك إلّابهذا يا حبيب - وأشار إلى الحسين عليه السلام - فقاتل دونه حتّى تموت ، فقال له حبيب : لأنعمك عيناً .
ثمّ تراجع القوم إلى الحسين عليه السلام ، فحمل الشّمر بن ذي الجوشن ( لعنه اللَّه تعالى ) على الميسرة ، فثبت لهم أصحاب الحسين عليه السلام ، فبرز الحرّ إليهم وأنشأ يقول شعراً :
ما زال يرميهم بعزّة وجهه * ولبانه حتّى تسربل بالدّم
قال : ثمّ حمل ، ولم يزل يقاتل حتّى قتل من القوم مائتين وثمانين فارساً ، فقال عمرو ابن الحصين - وكان والياً على شرطة ابن زياد ( لعنه اللَّه تعالى ) - : مَنْ يخرج إلى هذا الغادر النّاكث ، فتحاماه النّاس ، ولم يخرج إليه أحد من عظم بأسه ، وشدّة مراسه ، فلمّا رأى النّاس قد تقاشعوا عنه ، خرج إليه بنفسه ، وهو ابن الحصين ( لعنه اللَّه تعالى ) ، فحمل عليه الحرّ ، فطعنه في صدره وأخرج السّنان من ظهره ، فجدله صريعاً ، وعجّل اللَّه بروحه إلى النّار وبئس القرار ، فكأنّ روحه كانت في يد الحرّ ، فجالَ وصالَ ونادى : هل من مبارز إلى فتى غير عاجز ؟ هذا يوم الرّوع والهزاهز ، فلم يبرز إلى أحد ، فتحامى النّاس عليه ، فجعلوا يرشقونه بالنّبل ، فبرز إليه عبداللَّه بن شفيق ، فقتله وعاد إلى الحسين عليه السلام ، وقال :
يا مولاي ! اعلم أنّي لمّا خرجت من الكوفة ، وقد عقد لي ابن زياد ( لعنه اللَّه تعالى ) راية على