بصيراً بالسّياسة ، فخرج الحسين عليه السلام ذات ليلة إلى خارج الخيم حتّى أبعد ، فتقلّد نافع سيفه وأسرع في مشيه حتّى لحقه ، فرآه يختبر الثّنايا والعقبات والأكمات المشرفة على المنزل . ثمّ التفت إلى خلفه فرآني « 1 » ، فقال : مَن الرّجل ؟ نافع « 2 » . قلت : نعم ، جعلني اللَّه فداك ، أزعجني خروجك ليلًا إلى جهة معسكر هذا الطّاغي ، فقال : يا نافع ! خرجت أتفقّد هذه التّلاع مخافة أن تكون مكنّاً لهجوم الخيل على مخيّمنا يوم تحملون ويحملون . ثمّ رجع وهو قابض على يساري و « 3 » يقول : هيَ هيَ واللَّه ، وعدٌ لا خُلْفَ فيه . ثمّ قال : يا ابن هلال ! ألا تسلك ما بين هذين الجبلين من وقتك هذا وانج « 4 » بنفسك ؟ فوقعتُ « 5 » على قدميه وقلت : إذاً ثكلتْ هلالًا أمّه ، سيِّدي ! إنّ سيفي بألف وفرسي مثله ، فواللَّه الّذي منّ عليَّ بك لا أُفارقك حتّى يكلّا عن قرّي وجرّي .
ثمّ فارقني ودخل خيمة أخته ، فوقفت إلى جنبها رجاء أن يسرع في خروجه منها ، فاستقبلته « 6 » ووضَعَتْ له متّكئاً وجلس يحدِّثها سرّاً ، فما لبثت أن اختنقت بعبرتها وقالت : وا أخاه ! أُشاهد مصرعك وأبتلي برعاية هذه المذاعير من النّساء ، والقوم كما تعلم ما هم عليه من الحقد القديم ؟ ! ذلك خطب جسيم يعزّ عليَّ مصرع هؤلاء الفِتية الصّفوة وأقمار بني هاشم ، ثمّ قالت : أخي ! هل استعلمتَ من أصحابكَ نيّاتهم ؟ فإنِّي أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة . فبكى عليه السلام ، وقال : أما واللَّه لقد لَهَزْتُهُم « 7 » وبلوتهم ، وليس فيهم [ إلّا ] الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطّفل بلبن أمّه ، فلمّا
هامش
( 1 ) - [ المعالي : فرآه ] .
( 2 ) - [ زاد في المعالي : قال ] .
( 3 ) - [ زاد في المعالي : هو ] .
( 4 ) - [ المعالي : وتنجو ] .
( 5 ) - [ المعالي : فوقعت ] .
( 6 ) - [ زاد في المعالي : زينب ] .
( 7 ) - [ في غير المعالي : نهرتهم ] .