ولا تحزبا النّاس ، ففعلا وقعد أولئك النّفر في بيوتهم وأقبلوا يقعون في عثمان .
وقيل : بل كان السّبب في ذلك أنّه كان يسمر عند سعيد بن العاص وجوه أهل الكوفة ، فقال سعيد : إنّما هذا السّواد بستان قريش ، فقال الأشتر : أتزعم أنّ السّواد الّذي أفاءه اللَّه علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك ؟ وتكلّم القوم معه ، فقال عبدالرّحمان الأسدي - وكان على شرطة سعيد - أتردّون على مقالته ؟ وأغلظ لهم ، فقال الأشتر : لا يفوتنّكم الرّجل ، فوثبوا عليه ، فوطئوه وطءاً شديداً حتّى غشي عليه ، ثمّ جرّوا برجله ، فنضح بماء ، فأفاق ، فقال : قتلني من انتخبت ، فقال : واللَّه لا يسمر عندي أحد أبداً ، فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيداً ، واجتمع إليهم النّاس حتّى كثروا ، فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم . فكتب إليهم أن يلحقوهم بمعاوية ، وكتب إلى معاوية إنّ نفراً قد خلقوا للفتنة ، فأقم عليهم وانههم ، فإن آنست منهم رشداً فأقبل ، وإن أعيوك فارددهم عليَّ .
فلمّا قدموا على معاوية ، أنزلهم كنيسة مريم وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق بأمر عثمان ، وكان يتغدّى ويتعشّى عندهم ، فقال لهم يوماً : إنّكم قوم من العرب ، لكم أسنان وألسنة ، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً ، وغلبتم الأمم ، وحويتم مواريثهم ، وقد بلغني أنّكم نقمتم قريشاً ، ولو لم تكن قريش كنتم أذلّة ، إنّ أئمّتكم لكم جنّة ، فلا تتفرّقوا عن جنّتكم .
وجرى بينه وبينهم كلام ، فكتب معاوية إلى عثمان أنّه قدم عليَّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان ، أضجرهم العدل - إلى أن قال - : فخرجوا من دمشق ، فقالوا : لا ترجعوا بنا إلى الكوفة ، فإنّهم يشمتون بنا ، ولكن ميلوا إلى الجزيرة ، فسمع عبدالرّحمان بن خالد ابن الوليد - وكان على حمص - فدعاهم ووبّخهم وأهانهم .
وفي رواية : أنّ معاوية لمّا عاد إليهم من القائلة « 1 » جرى بينه وبينهم كلام أغضبهم فيه
هامش
( 1 ) - الّذي في النّسخة : من القابلة ، بالباء ، والظّاهر أنّه غلط ، والصّواب من القائلة ، أي من بعد القيلولة ، واللَّه أعلم .