أقسمتُ لا اقتَل إلّاحُرّاً * وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
كلّ امرء يوماً ملاق شرّاً * ويخلط البارد سخناً مرّا
أخاف أن اكذب أو اغرّا * أضربكم ولا أخاف ضرّا
حتّى قتل منهم جماعة كثيرة ، وبلغ ذلك ابن زياد ، فأرسل إلى ابن الأشعث يقول :
بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به ، فثلم من أصحابك ثلمة عظيمة ، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره ؟ فأرسل ابن الأشعث : أيّها الأمير ! أتظنّ أنّك بعثتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة ، أو إلى جرمقانيّ من جرامقة الحيرة ، أوَ لم تعلم أيّها الأمير أنّك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كفّ بطل همام من آل خير الأنام ؟
فأرسل إليه ابن زياد أن : أعطه الأمان ، فنادى وقال : يا مسلم ! لك الأمان فإنّك لا تكذب ولا تغرّ ، فقال : وأيّ أمان للغدرة الفجرة ؟
وأقبل يقاتلهم ، فلمّا رأوا ذلك ، أشرفوا عليه من فوق البيوت ، فأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النّار في أطنان القصب ، ثمّ يقذفونها عليه من فوق السّطوح ، وتكاثروا عليه بعد أن أُثخِنَ بالجِراح وضربوهُ بالسِّهام والأحجار حتّى عَيِيَ واستند حائطاً ، فقال : ما لكم ترموني بالأحجار كما ترمى الكفّار وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ، لا ترعون حقّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في ذرِّيّته ؟ وقال : اللَّهمّ إنّ العطش قد بلغ منِّي ، فحملوا عليه من كلّ جانب ، فضرب بكير بن حمران على شفته العليا ، وطعنه رجل من خلفه ، فخرّ إلى الأرض ، فاخذ أسيراً .
وأتي ببغلة ، فحمل عليها ، فاجتمعوا عليه ونزعوا سيفه ، فكأ نّه عند ذلك أيس من نفسه ودمعت عينه وعلم أنّ القوم قاتلوه ، وقال : هذا أوّل الغدر ، إنّا للَّهوإنّا إليه راجعون ، وبكى ، فقيل له : إنّ مثلك ومن يطلب مثل الّذي طلبت ، إذا نزل به مثل الّذي نزل بك لم يبك . قال : إنِّي واللَّه ما أبكي لنفسي ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليّ ، أبكي للحسين وآل الحسين عليه السلام .