يحبّه محبّة شديدة ، فدعا به المنصور بالمدينة فعاتبه على ميله إلى ولد عبداللَّه بن الحسن ابن الحسن ، وضربه ستّين سوطاً وأمر بحسبه ، فلمّا خرج محمّد بن إبراهيم دعا به ، فضرب عنقه صبراً بالهاشميّة ، وقال : واللَّه لا تقرّ عينك بخروج صاحبيك ، وبعث برأسه إلى خراسان « 1 » . [ . . . ]
وبعد وفاة عبداللَّه بن عمرو ، انصرفت فاطمة . . . للعبادة والصّلاة والتّوبة والاستغفار ، تتحدّث في الفقه والحديث ، تتخلّلها مواعظها العامّة ، وتوجيهاتها النّاس يسألونها في أحكام الدّين ، فتبيّن حكم اللَّه وتريهم عزّة العلم وجلال الحقّ ولطف المؤمن وتواضع العظيم . . . رغم الطّلبات المتكرّرة إليها بالزّواج وهي ترفض وتكره التّحدّث فيه على كلّ حال ، وآخر ما وقع لها طلب عبدالرّحمان بن الضّحّاك بن قيس الفهريّ ، والي يزيد بن عبد الملك على المدينة ، فرفضت ونهرته وهو يزداد إصراراً وإلحاحاً ، فكتبت به إلى الخليفة ، وأرغمته على احترام إرادتها وحقّها وكلمتها ، وكان الحادث الّذي قرأت تفصيله في موضع آخر من الكتاب .
هذا والّذي يبدو لنا من ثنايا كتب التّاريخ أنّ ابنة الحسين . . . في السّنين الأخيرة من عمرها تركت المدينة وهاجرت إلى مصر وتوفّيت بها سنة 110 ه يرافقها بعض أولادها ، وكانت عاطفتهم نحوها بالغة العمق ، صادقة ، خالصة الصّدق ، بريئة من كلّ شائبة أو غرض ، وبعد أن فجعت بموت بعض منهم .
وقفة مع أبي الفرج الأصفهاني . . . تفرّد أبو الفرج في كتابه ( مقاتل الطّالبيِّين ) بذكر رواية شاذّة عارية عن الصّدق والصّواب ، تتعلّق بابنة الحسين . . . فاطمة . . . وهي لا شكّ مختلقة ومفتعلة على العذراء الثّائرة بكلّ صورة ، وتتنافى مع جلالة قدرها وإيمانها ومثلها العليا ، وسيرتها النّبيلة في الحياة ، وهي في رأي الباحثين بعيدة عن الصّحّة والحقّ ، وغير مؤيّدة بنص تاريخي ثابت ، قال : لمّا حضرت الحسن الوفاة . . . [ ثمّ ذكر كلامه كما ذكرناه في مقاتل الطّالبيّين ] .
هامش
( 1 ) - أنساب الأشراف ، 2 : 110 - 111 ؛ المعارف : 199