ووجّهوا نحوه في الحرب أربعة * السّهم والسّيف والخطي والحجرا
فقابلت تلكم الفوادح برباطة جأش وهدوء بال ، ولولا انخراطها في الاستغراق مع اللَّه تعالى وتفانيها في الطّاعة له ، كما أخبر أبوها الحجّة عليه السلام بقوله : « الغالب عليها الاستغراق مع اللَّه » لانهدّ قواها ، وساخ صبرها ، وتبلبل فكرها ، وفقدت مشاعرها ، ولكنّها بالرّغم من ذلك لم يرعها ذلّ الأسر ، ولا شماتة العدوّ ، وتراكم الرّزايا ، وأنين الأطفال ، وبكاء الفواقد ، فلم يصدر عنها ما لا يتّفق مع الخضوع للأصلح المرضيّ للَّه تعالى .
ولو كان « أبيّ الضّيم » يعلم بضعف عزمها وتفكّك صبرها ، لما رافقها إلى محلّ تضحيته ، لئلّا يتسبّب من تلكم الأهوال الوقوع في خطر عظيم .
إنّ ذلك المشهد الدّامي الّذي لم يمرّ على نبيّ أو وصيّ ، وقابله شهيد الدّين بصبر تعجّبت منه ملائكة السّماوات ، كما في نصّ زيارته ، ترك الجفون قرحى ، والعيون عبرى ، والقلوب حرّى إلى يوم الانقضاء ، على حدِّ تعبير الإمام أبي الحسن الرّضا عليه السلام « 1 » ، ويقول رسول اللَّه عليه السلام : إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً « 2 » . والسّيّدة سكينة أبصرت كلّ ما جرى في ذلك اليوم ، وسمعت صرخة أبيها المظلوم واستغاثته ، وشاهدت حرائر النّبوّة ومخدّرات الإمامة يتراكضن في تلك البيداء المقفرة ، حين شبّت النّار في مضاربهم ، ولا محامي يلذن به إلّازين العابدين ، وقد أنهكته العلّة .
فلو أنّ أيّوباً رأى بعض ما رأى * لقال بلى هذي العظيمة بلواه
فلم يتضعضع صبرها ، ولا وهى تسليمها للقضاء الجاري ولم يتحدّث المؤرِّخون عمّا ينافي ثباتها على الخطوب في الكوفة والشّام مع ما لاقته من شماتة ابن مرجانة وابن ميسون ونكته بالعود رأس الحسين ، وأهل المجلس يشاهدون الأنوار تتصاعد من أسارير
هامش
( 1 ) - أمالي الصّدوق ، ص 76 ، مجلس 27
( 2 ) - مستدرك الوسائل ، ج 2 ، ص 217