عن صاحب الرّسالة وعن عظماء الصّحابة ، أو أنّها من القضايا والحوادث الّتي لها نصيب من مستوى الحقيقة .
ومن هنا وضع العلماء علم الرّجال ليتميّز أولئك الدّسّاسون من غيرهم ، وإنّ محاورة الحتّات بن يزيد أبي منازل مع معاوية تفيدنا فقهاً بما عليه ابن هند من بذل الأموال لمقاصده وغاياته ضد أهل البيت ، فإنّه وفد مع الأحنف ، وجارية بن قدامة على معاوية ، فأعطى معاوية كلّاً من الأحنف وجارية مائة ألف ، وأعطى الحتّات سبعين ألفاً ، فعتب عليه حيث أنقصه عن صحبه ، فقال معاوية : إنِّي اشتريت منهم دينهم ، ووكلت إلى رأيك في عثمان . فقال الحتّات : فاشتر منِّي ديني مثلهم ، فأتمّ له الجائزة « 1 » .
وسمع الأحنف رجلًا يقول لمعاوية : لو لم تولّ يزيد أمور المسلمين لأضعتها ، فعتب عليه ، فقال الرّجل : إنِّي أعلم أنّ شرّ من خلق اللَّه هذا وابنه ، ولكنّهم استوثقوا من هذه الأموال بالأقفال « 2 » .
وعلى هذا ، فهل ترى هؤلاء إلى أمثالهم يتورّعون عن موافقة الخلفاء بافتعال أحاديث وقضايا توافق رغباتهم ؟ وهل يمكن للكاتب الرّكون إليهم في نقل الحقائق ؟ وقد عرفت حديث ( مقاتل ) الّذي ملئت الطّوامير بمرويّاته مع المنصور ، فإنّه قال له : إذا شئت وضعت
هامش
( 1 ) - الطّبريّ ، ج 5 ، ص 242 ( سنة 50 ذكر هرب الفرزدق من زياد )
( 2 ) - ويُروى أنّ معاوية بن أبي سفيان لمّا نصبَ يزيد لولاية العهد ، أقعدهُ في قُبّة حمراء ، فجعل النّاس يُسلِّمون على معاوية ثمّ يميلون إلى يزيد حتّى جاء رجل ففعل ذلك ثمّ رجع إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ! اعلم أنّك لو لم تُولِّ هذا أمور المسلمين لأضَعْتها ، والأحنف جالس ، فقال له معاوية : ما بالُك لاتقولُ يا أبا بحرٍ ؟ فقال : أخافُ اللَّه إن كذبتُ وأخافكم إن صَدقتُ ، فقال : جزاكَ اللَّه عن الطّاعة خيراً ، وأمرَ له بألوفٍ ، فلمّا خرج الأحنف لقيهُ [ ذلك ] 1 الرّجل بالباب ، فقال : يا أبا بحرٍ ! إنِّي لأعْلمُ أنّ شرّ مَنْ خلق اللَّه [ سبحانه وتعالى ] 1 هذا وابنهُ ، ولكنّهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال ، فلسنا 2 نطمعُ في استخراجها إلّابما سمعت ، فقال له الأحنف : 3 يا هذا 3 ! أمْسِك [ عليك ] ، فإنّ ذا الوجهين خليقٌ ألّا يكون عند اللَّه وجيهاً .
1 . [ من الوفيات ] .
2 . [ الوفيات : فليس ] .
( 3 - 3 ) [ لم يرد في الوفيات ] .
المبرّد ، الكامل ، 1 / 30 / مثله ابن خلّكان ، وفيات الأعيان ، 2 / 500 رقم 305