أراد أن يستفيد علماً ، والمحبّة في قلوب المؤمنين من الورى ، ولنا الشّأن الأعلى في الأرض والسّماء ، ولولانا ما خلق اللَّه الدّنيا ، وكلّ فخر دون فخرنا يهوى ، ومحبّنا يسقى ، وباغضنا يوم القيامة يشقى . قال فلمّا سمع النّاس كلامه ضجّوا بالبكاء والنّحيب وعلت الأصوات ، فخاف يزيد ( لعنه اللَّه ) الفتنة ، فأمر المؤذّن أن يقطع عليه خطبته ، فصعد المؤذِّن وقال : اللَّه أكبر ، فقال الإمام عليه السلام : كبّرتَ كبيراً وعظّمتَ عظيماً وقلت حقّاً ، فقال المؤذِّن : أشهد أن لا إله إلّااللَّه ، فقال عليه السلام : أشهد بها مع كلّ شاهد وأقرّ بها مع كلّ جاحد ، فقال المؤذّن أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فبكى عليّ عليه السلام وقال : يا يزيد ، سألتك باللَّه محمّد جدِّي أم جدّك ؟ فقال : جدّك ، فقال له : فلِمَ قتلت أهل بيته ؟ فلم يرد عليه جواباً ودخل داره وقال : لا حاجة لي بالصّلاة . قال فقام المنهال بن عمرو إلى عليّ بن الحسين عليه السلام فقال له : كيف أصبحتَ يا ابن رسول اللَّه ؟ فقال له الإمام عليه السلام : كيف حال من أصبح وقد قُتل أبوه وقلّ ناصره وينظر إلى حرم من حوله أسارى قد فقدوا السّتر والغطاء ، وقد أعدموا الكافل والحمى ، فهل تراني إلّاأسيراً ذليلًا قد عُدمت النّاصر والكفيل ، قد كُسيت أنا وأهل بيتي ثياب الأسى ، وقد حرّم علينا جديد العرى ، فإن تسأل فها أنا كما ترى قد شمت فيها الأعداء ونترقّب الموت صباحاً ومساءً ، ثمّ قال : قد أصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منهم ، وأصبحت قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منهم ، ونحنُ أهل بيته أصبحنا مقتولين مظلومين قد حلّت بنا الرّزايا ، نُساق سبايا ونُجلب هدايا كأنّ حسبنا من أسقط الحسب ومنتسبنا من أرذل النّسب ، كأن لم نكن على هام المجد رقينا وعلى بساط الجليل سعينا ، وأصبح المُلك ليزيد وجنوده ، وأضحت بنو المصطفى من أدنى عبيده . قال : فَعَلَت الأصوات من كلِّ جانب بالبكاء والنّحيب ، قال : فخشى يزيد الفتنة وقال للّذي أصعده المنبر : ويحك ، أردت بصعوده زوال ملكي ؟
فقال : واللَّه ما علمت أنّ هذا الغلام يتكلّم بمثل هذا الكلام ، فقال له يزيد ( لعنه اللَّه ) : ما علمت أنّ هذا من أهل بيت النّبوّة ومعدن الرِّسالة ؟ فقال له المؤذِّن : إذا كان كذلك فلِمَ قتلتَ أباه ؟ فأمرَ بضرب عنقه .
مقتل أبي مخنف ( المشهور ) ، / 130 - 138 / عنه : الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 516
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 372
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٣٧٢