يوم الطّفّ ، وسبيهنّ من بلدٍ إلى بلد ، كانوا يُخْفُون عن صغار الأطفال واليتامى قتل أوليائهم وآبائهم ، فإن بكى يتيم أو يتيمة أباه أو أخاه ناغَوه باللّطف ، وأخبروه بأ نّه في سفر ، وسوف يعود من سفره ، فكانوا بهذا ونحوه يُشغِلون اليتامى والأطفال عن الشّعور بألم اليُتم ومرارة المصاب .
حتّى إذا جيء بهم إلى الشّام ، وأنزلوهم في خربة إلى جنب قصر يزيد - لعنه اللَّه - قالوا : وكانت للحسين عليه السلام طفلة صغيرة لها من العمر أربع سنين ، وكانت مع الأسرى في خربة الشّام ، وكانت تبكي لفراق أبيها ليلًا ونهاراً ، وهم يقولون لها : هو في السّفر ، فبينما هي نائمة ذات ليلة في الخربة ، إذ انتبهت مذعورة باكية ، تقول : أين أبي ؟ الآن قد رأيته ، ايتوني بأبي ، أريد أبي ؟ وكلّما أرادوا إسكاتَها ازدادت جزعاً وبكاءً .
فعند ذلك تعالى الصُّراخ من العيال والأطفال ، حتّى وصلت الصّيحة إلى يزيد ، فانتبه من نومه ، فسأل عن الحدث ، فأخبروه : أنّ طفلة للحسين رأت أباها في المنام ، فانتبهت تطلبه وتبكي عليه .
فأمر - لعنه اللَّه - فجاؤوا برأس الحسين عليه السلام في طشتٍ - أو طَبق - ووضعوه بين يديها وهو مُغطّىً بمنديل ، وقالوا لها : هذا رأس أبيكِ .
فلمّا نظرت إليه اضطربت وصرخت وأهوت على الرّأس وضمّته إلى صدرها وهي تنادي : أبَه يا أبَه ! من الّذي خَضّبك بدمائك ؟ أبَه يا أبَه ! من الّذي قطع وريدك ؟ أبَه يا أبَه ! من الّذي أيتمني على صِغر سنِّي ؟ أبَه يا أبَه ! من لليتيمة حتّى تكبر ؟ . . . ولم تزل تعول وتنوح وتبكي على أبيها وتندبه ، حتّى فارقت روحُها الدّنيا - وهي واضعة فمها على فم أبيها الحسين - .
فتجدّد المصاب على حرائر الرّسالة ، وازداد البكاء والنّحيب لحال هذه الطّفلة اليتيمة ، ولم يُرَ في ذلك اليوم أكثر باك ولا باكية منهم . فأمر يزيد بغسلها وكفنها ودفنها في الخربة . « 1 »
هامش
( 1 ) - الإيقاد للسّيِّد العظيمي ، الفصل الثّامن عشر - نقلًا عن العوالم وغيره -