فريتم ، أم أيّ رحم له قطعتم ، أم أيّ بناء له هدمتم ؟ لقد جئتم واللّه شيئا إدّا » .
روي مرسلا عن رجل من الشّيعة قال : أخطأت خطيئة وجنيت جناية لو لم تغفر لي لمّا شككت أنّي من أهل النّار ، وهي أنّي كنت في الكوفة وليس لي علم بما جرى على الحسين عليه السّلام وعياله ، فبينما أنا جالس في سوق الكوفة ونفسي مستوحشة ممّا أراه من تغيّر اللّيل والنّهار ، وأرى جدران الكوفة كأنّها مطلية بدم عبيط ، والآفاق مسوّدة ، والجهات مغيّرة ، وكلّ إنسان أراه كأنّ ثيابه ووجهه مطليان بالدّم ، والنّاس في حيرة شديدة ودهشة عظيمة ، ولا أعلم ما سبب ذلك .
فبينما أنا على تلك الحالة وإذا بتكبير وتهليل وأصوات عالية ورجّة عظيمة ، فقمت لأنظر ماذا وإذا برؤوس مرفوعة على الرّماح ونساء على الجمال من غير غطاء ولا وطاء ، وبين تلك النّساء بنات صغار وجوههنّ كالقناديل ، وكلّ واحدة على جمل أدبر أعجف ، وشعورهنّ منشورة ، ورؤوسهنّ منكسّة حياء من النّاس ، وبينهنّ ولد راكب على جمل وهو مقيّد من تحت بطن النّاقة ، وفخذاه يشخبان دما وهو مكشوف الرّأس عار من الثّياب ، وبين الحاملين للرّؤوس رجل على رمحه رأس أزهر من تلك الرّؤوس ، ولم ير عليه آثار القتل وهو يتحمّس ويقول :
أنا صاحب الرّمح الطّويل * أنا صاحب السّيف الصّقيل
أنا قاتل الدين الأصيل
ثمّ سكت لعنه اللّه ، فقالت له امرأة من تلك النّساء : فقل يا ويلك : « ومن ناغاه في المهد جبريل ، ومن بعض خدّامه ميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، ومن عتقائه صلصائيل ، ومن اهتزّ لقتله عرش الجليل » . وقل يا ويلك : « أنا قاتل محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وعليّ المرتضى ، وفاطمة الزّهراء ، والحسن المزكّى ، وأئمّة الهدى ، وملائكة السّماء والأنبياء والأوصياء » . فدنوت لواحدة من النّساء لأسألها ، فقلت لها : ما هذه الرّؤوس وما هذه السّبايا ؟ فصاحت بي صيحة خلت أنّها صاعقة أصابت فؤادي وهي تقول : « أما تستحي من اللّه تنظر إلينا » ، فسقطت على وجهي مغشيّا عليّ .