تكن تسمع بقصّة كربلاء ، ولا بشهادة الإمام الحسين عليه السّلام إلى ذلك الوقت ، فلمّا وصل الأسرى إلى ذلك المكان ، إذا بهذه المرأة المؤمنة تسمع ضوضاءا عاليا ولغطا كثيرا ، ممّا دعاها للتّطلّع إلى ما يجري حولها ، فارتدت حجابها ، ولبست عباءتها ، وصارت على سطح دارها لترى ما الخبر ، ففاجأها منظر رهيب ، وموقف عجيب ، أفواج من العساكر والجيوش ، بيد كلّ فوج رمح طويل عليه رأس منير ، يتوسّطهم فوج من النّياق الهزّل ، عليها هوادج مكشوفة ، ومحامل غير مستورة ، فيها نساء وأطفال قد علاهم الذّعر وأصابهم الضّرّ ، وقد نكّسوا رؤوسهم خجلا ممّا هم فيه ، وحياءا من أفواج الرّجال الّذين أحاطوا بهم من كلّ جانب ، ومن بين النّساء سيّدة موقّرة عليها آثار الجلال والكمال ، وبين يديها طفلة تئنّ وتبكي ، وكأنّها تطالب تلك المرأة شيئا تعجز تلك المرأة عن تقديم ما تريده الطّفلة ، وهي تحاول إقناعها وإسكاتها بشتّى الوسائل ، والطّفلة تصرّ على طلبها وتواصل بكاءها ، فتأثّرت تلك المرأة المؤمنة من هذا المنظر المؤلم غاية التأثّر ، وتوجّهت إلى تلك السّيّدة المجلّلة قائلة : أيّتها السّيّدة الجليلة ! من أيّ الأسارى أنتنّ ؟
فرفعت السّيّدة الجليلة رأسها ، والتفتت إلى السّائلة لتجيبها بقولها : « نحن أسارى آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وذرّيّته » ، فلمّا سمعت تلك المرأة المؤمنة هذا الجواب من هذه السّيّدة لطمت وجهها وصرخت قائلة : أيّتها السّيّدة الجليلة ! لو تفضّلتي بإخباري عن اسمك الكريم ، فإنّي أراك لا تخلين من الشّبه بسيّدتي عقيلة بني هاشم زينب بنت أمير المؤمنين عليه السّلام ؟
وكذا لو أخبرتيني عن هذا الرّأس الشّريف الّذي يتقدّم الرّؤوس والّذي هو أكثرهم نورا ، وأشدّهم توهّجا وعظمة ؟ فرفعت السّيّدة زينب عليها السّلام رأسها وقالت لها : « اعلمي أيّتها المؤمنة بأنّي زينب ، وهذا الرّأس الشّريف هو رأس أخي الإمام الحسين عليه السّلام » ، وعندها صرخت تلك المرأة المؤمنة وبكت ، ونزلت إلى صحن دارها ودخلت غرفتها ، وجمعت ما كان عندها من ثياب وخمار وجلباب ، وقدّمتها إليهم وهي تلعن ابن زياد وتندّد بيزيد .
وفي الغد أدخلوا السّبايا الكوفة على تلك الحال ، وخرج النّاس للتّفرّج عليهم ، وهنا جاء في التّاريخ ذكر لقاء أمّ حبيبة مع السّبايا بصورة مفصّلة يرجع للاطّلاع عليه إلى كتب المقاتل ، ولمّا رأى أهل الكوفة السّبايا والضّرّ الّذي مسّهم صغارا وكبارا ، أخذوا
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 826
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٨٢٦