قال اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي * قد حان حيني وقد لاحت لوائحه
قال الشّمر : لك ذلك ، وقصده القوم واشتدّ القتال ، وقد اشتدّ به العطش ، فحمل من نحو الفرات على عمرو بن الحجّاج ، وكان في أربعة آلاف ، فكشفهم عن الماء ، وأقحم الفرس الماء ، فلمّا ولغ الفرس ليشرب قال الحسين : أنت عطشان وأنا عطشان ، فلا أشرب حتّى تشرب ، فرفع الفرس رأسه كأنّه فهم الكلام ، ولمّا مدّ الحسين يده ليشرب ناداه رجل : أتلتذّ بالماء وقد هتكت حرمك ؟ فرمى الماء ولم يشرب وقصد الخيمة .
ثمّ إنّه عليه السّلام ودّع عياله ثانيا ، وأمرهم بالصّبر ، ولبس الأزر وقال : استعدّوا للبلاء ، واعلموا أنّ اللّه تعالى حاميكم وحافظكم وسينجّيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة ، فلا تشكوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم ، [ . . . ]
أمّا عقيلة بني هاشم « زينب الكبرى » ، فإنّها تبصر هذا وذاك ، فتجد عروة الدّين الوثقى عرضة للانفصام ، وحبل النّبوّة آئلا إلى الانصرام ، ومنار الشّريعة إلى الخمود ، وشجرة الإمامة إلى الذّبول .
والتفت الحسين إلى ابنته سكينة التي يصفها للحسن المثنّى « بأنّ الاستغراق مع اللّه غالب عليها » ، فرآها منحازة عن النّساء ، باكية ، نادبة ، فوقف عليها مصبّرا ومسلّيا .
المقرّم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 340 - 341 ، 345 - 349
قال في ( البحار ) وسائر المقاتل : ولمّا رأى الحسين عليه السّلام مصارع فتيانه « 1 » وأحبّته ونظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أحبّته وثمانية عشر رجلا من أهل بيته صرعى « 1 » عزم على لقاء القوم بمهجته « 2 » ، ثمّ جعل ينادي : هل من راحم يرحم آل الرّسول ، هل من ناصر ينصر ذريّة الطّاهرة البتول ، ثمّ التفت إلى الخيمة ونادى : يا سكينة ويا فاطمة يا زينب ويا أمّ كلثوم ، عليكنّ منّي السّلام فهذا آخر الاجتماع وقد قرب منكنّ الافتجاع .
هامش
( 1 - 1 ) [ وسيلة الدّارين : أنصاره وأحبّيه من أهل بيته ] .
( 2 ) - [ لم يرد في وسيلة الدّارين ] .