جيبا ، ولا تخمشي وجها ، ولا تدعي عليّ بالويل والثّبور إذا أنا هلكت » .
فبكت ، فارتفعت الأصوات من جهة النّساء ، ولهنّ الرّقّة والجزع .
وقالت أخته : « بأبي وأمّي أبا عبد اللّه ! استقتلت ؟ » ، فردّد غصّته ، ثمّ قال : « لو ترك القطا لنام » . فقالت : « يا ويلتي ! أفتغتصب نفسك اغتصابا ؟ فذلك أروع لقلبي ، وأعظم لبلائي » . ثمّ لطمت وجهها وخرّت مغشيّا عليها ، فصبّ الحسين على وجهها الماء ، وعزّاها بكلام طويل .
أبو علي مسكويه ، تجارب الأمم ، 2 / 69
( وبه ) قال : أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن عليّ بن الحسين بن التّوزيّ بقراءتي عليه ، قال : أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافي بن زكريّا بن يحيى بن حميد بن حمّاد ، الجريريّ قراءة عليه ، قال : حدّثنا أبو بكر يعني محمّد بن الحسن بن دريد الأزديّ ، قال : حدّثنا الحسن بن خضر عن أبيه قال : بلغني أنّ عليّ بن الحسين عليهم السّلام قال : لمّا كانت الأيّام الّتي قتل فيها أبي ، رماني اللّه بالحمى ، وكانت عمّتي زينب تمرّضني ، فلمّا كان في اليوم الّذي قتل في غده ، خلا أبي بأصحابه في فسطاط كان يخلو فيه إذا أراد أن يشاور أصحابه في شيء ، فسمعته ورأسي في حجر عمّتي وهو يقول :
لا ذعرت السّوام في غلس الصّب * ح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم اعطى من خيفة الموت ضيما * والمنايا يرصدنني أن أحيدا
قال : أمّا أنا فرددت عبرتي وتصبّرت ، وأمّا عمّتي فإنّه أدركها ما يدرك النّساء من الضّعف ، فوضعت رأسي على مرفقة ، ثمّ قامت ، فمضت نحو أبي وهي تصيح : يا خليفة الماضين ، وثمال الباقين ، استقتلت ! جعلني اللّه فداءك ، فقال : يا أخيّة ، لو ترك القطا لنام ، فقالت : ذاك أسخن لعيني ، وأحرّ لكبدي ، أتغتصب نفسك اغتصابا يا أبا عبد اللّه ؟ ، ثمّ سقطت مغشيّا عليها ، فأقبل أبي يمسح الماء عن وجهها ويقول : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، وكان أمرا مقضيّا . فلمّا أقامت ، قال : يا أخيّة ! إنّ أهل الأرض يموتون ، وإنّ أهل السّماء لا يبقون ، إنّ أبي كان خيرا منّي ، وأمّي كانت خيرا منّي ، وأخي كان خيرا منّي ، فإذا أصبت فلا تخمشي وجها ، ولا تحلقي شعرا ، ولا تدعي بويل ولا ثبور ، ثمّ أخذ بيدها