قال : وخرج الحسين وإخوته وأهل بيته حين سمعوا الكلام ( كلام برير وهلال ) فنظر إليهم وجمعهم عنده وبكى ، ثمّ قال : أللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّد صلواتك عليه ، قد أخرجنا وازعجنا وطردنا عن حرم جدّنا ، وتعدّت بنو أميّة علينا . اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظّالمين ، ثمّ نادى بأعلى صوته في أصحابه : الرّحيل ، ورحل من موضعه ذلك حتّى نزل بكربلاء في يوم الأربعاء ، أو في يوم الخميس ، وذلك اليوم الثّاني من محرّم من سنة إحدى وستّين ، فخطب في أصحابه هناك ، وقال : أمّا بعد ، فإنّ النّاس عبيد الدّنيا ، والدّين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم ، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدّيّانون ، ثمّ قال لهم : أهذه كربلاء ؟ قالوا له : نعم ، فقال : هذه موضع كرب وبلاء ، ههنا مناخ ركابنا ، ومحطّ رحالنا ، ومسفك دمائنا . قال : فنزل القوم وحطّوا الأثقال ناحية من الفرات ، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه وبناته ، وضربت خيم إخوته وبني عمّه حول خيمته .
وجلس الحسين في خيمته يصلح سيفه ومعه جون مولى أبي ذر الغفّاريّ ، فجعل يصلحه ويقول :
يا دهر افّ لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب وطالب قتيل * والدّهر لا يقنع بالبديل
وكلّ حيّ سالك سبيل * ما أقرب الوعد من الرّحيل
وإنّما الأمر إلى الجليل * سبحانه جلّ عن المثيل
قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام : وجعل أبي يردّد هذه الأبيات ، فحفظتها منه ، وخنقتني العبرة ، ولزمت السّكوت حسب طاقتي ، فأمّا عمّتي زينب ، فلمّا سمعت بذلك استعبرت وبكت ، وكانت ضعيفة القلب ، فبان عليها الحزن والجزع ، فأقبلت تجرّ أذيالها إلى الحسين وقالت : يا أخي ! ويا قرّة عيني ! ليت الموت أعدمني الحياة ، يا خليفة الماضين وثمال الباقين ، فنظر إليها الحسين وقال : أختاه ، لا يذهبنّ بحلمك الشّيطان ، فإنّ أهل السّماء يموتون ، وأهل الأرض لا يبقون ، كلّ شيء هالك إلّا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون ، فأين أبي وجدّي اللّذان هم خير منّي ؟ فلي بهما ولكلّ مؤمن أسوة حسنة ؛ وعزّاها ثمّ