طأطئوا رؤوسكم وابتعدوا عن المحامل ، وإذا بامرأتين موقّرتين من خلفه تخرجان من الدّار ، وتجرّان ذيولهما عفّة وحياءا ، قد حفّ بهما الجواري ، فقدّم ذلك الشّاب الوسيم واحدا من تلك المحامل ، وثنّى رجله لتلك المرأتين الجليلتين ، وأخذ بيديهما الإمام الحسين عليه السّلام وأركبهما في محملهما . قال الرّاوي : فلمّا ركبتا المحمل ، سألت عنهما وعن الشّاب الوسيم الّذي ثنّى رجله لهما ؟ فقيل : أمّا الشّاب فهو قمر بني هاشم العبّاس بن أمير المؤمنين عليه السّلام ، وأمّا المرأتان فهما السّيّدتان : زينب الكبرى وأمّ كلثوم بنتا أمير المؤمنين عليه السّلام وبنتا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم وذرّيّته ، إلى آخر ما جاء في الخبر .
ثمّ إنّ السّيّدة زينب عليها السّلام ، مع علمها بما يجري عليها وعلى موكب كربلاء من بلايا ورزايا في هذه الرّحلة ، شاركت أخاها الإمام الحسين عليه السّلام في سفره هذا مشاطرة له همومه ، وهي مسرورة على أنّها في خدمة أخيها وإمامها ، ومبتهجة بذلك ، وسار الموكب بها حتّى خرج من حرم اللّه وأمنه ، فاعترضه ابن عبّاس وأشار على الإمام الحسين عليه السّلام - بعد أن رأى عدم استجابة الإمام الحسين عليه السّلام لطلبه من عدم الخروج من مكّة والانصراف عن التّوجّه إلى العراق - قائلا : إن كان ولا بدّ وقد عزمت على الشّهادة ، فلماذا تصحب معك هذه النّسوة والأطفال ؟ فسمعته عقيلة بني هاشم فلم تلبث أن نهرته بقولها : يا ابن عبّاس ، تشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلّفنا هاهنا ويمضي وحده ؟ ! لا واللّه ، بل نحيى معه ونموت معه ، وهل أبقى الزّمان لنا غيره ؟ وبهذا الحماس والنّشاط كانت السّيّدة زينب عليها السّلام تشارك أخاها الإمام الحسين عليه السّلام سفره وتشاطره في مهمّته .
ومنها : أنّها عليها السّلام تركت حرم جدّها ، ومسقط رأسها ، وبيتها وزوجها - طبعا باذن منه - وكلّ علائقها في الحياة ، وصحبت أخاها الإمام الحسين عليه السّلام في سفره ، مع علمها بعواقب هذه السّفرة ونتائجها ، فإنّها عليها السّلام بذلك فضّلت على أثر محبّتها لأخيها الإمام الحسين عليه السّلام أن تهجر الأمن والأمان ، والدّعة والرّاحة ، لتقع في الخوف والرّعب ، والمتاعب والمصائب ، ولذلك عندما طلب ابن عبّاس من الإمام الحسين عليه السّلام أن لا يصحب النّساء معه في سفره هذا ، اعترضت عليه ، ونهرته وزجرته عن اقتراحه وطلبه ،
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 496
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٩٦