وكان عليه السّلام يفطر في هذا الشّهر ليلة عند الحسن ، وليلة عند الحسين وليلة عند زوج ابنته عبد اللّه بن جعفر ؛ وكان لا يزيد على ثلاث لقم ، فقيل له في ذلك ، فقال : أحبّ أن يأتيني أمر اللّه وأنا خميص وإنّما هي ليلة ، أو ليلتان .
قالت أمّ كلثوم : لمّا كانت ليلة تسعة عشر من شهر رمضان قدّمت لأبي عند الإفطار طبقا فيه قرصان من خبز الشّعير ، وقصعة فيها لبن وملح جريش ؛ فلمّا فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، ثمّ قال : يا بنيّة ، أتقدّمين لونين لي في طبق واحد ، تريدين أن يطول وقوفي بين يديّ اللّه تعالى ، إنّي أريد أن أتبع أخي وابن عمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم ، فإنّه ما قدم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه اللّه تعالى . يا بنيّة ، إنّ الدّنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب . يا بنيّة ، ما من رجل طاب مطعمه ومشربه إلّا طال وقوفه بين يدي اللّه تعالى يوم القيامة ، ولقد أخبرني حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم : أنّ جبرئيل نزل ومعه مفاتيح كنوز الأرض فقال : يا محمّد ! إنّ اللّه يقرئك السّلام ويقول : إن شئت سيرت معك جبال تهامة ذهبا وفضّة ، وخذ مفاتيح كنوز الأرض ، وما ينقصك من حقّك يوم القيامة ، فقال : يا جبرئيل ، ثمّ ما يكون بعد ذلك ؟ قال : الموت . قال : لا حاجة لي في الدّنيا دعني أجوع يوما ، وأشبع يوما ، فاليوم الّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي وأسأله ، واليوم الّذي أشبع فيه أحمد ربّي وأشكره ، فقال له جبرئيل : وفّقت لكلّ خير يا محمّد .
ثمّ قال : يا بنيّة ، إنّ الدّنيا دار غرور ، ودار ذلّ ، ومن قدّم منها لآخرته شيئا وصل نفعه إليه . يا بنيّة ، واللّه لا أتناول شيئا حتّى ترفعين أحدهما ؛ قالت : فرفعت اللّبن فأكل من الخبز والملح وحمد اللّه تعالى ، وأثنى عليه ، ثمّ قام إلى صلاته ولم يزل تلك اللّيلة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا يتضرّع ويبتهل إلى اللّه تعالى ، ثمّ يخرج ساعة بعد ساعة ، وينظر في الكواكب ، ويقلّب طرفه إلى السّماء ، ثمّ تلا سورة يس ثمّ نام قليلا ، وانتبه من النّوم فزعا مرعوبا ، فجمع أولاده وأهله ، وقال لهم : « إنّي مفارقكم في هذا الشّهر ، وقد رأيت في هذه اللّيلة رؤيا عظيمة أهالتني ، إنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم في منامي ، وهو يقول :
يا أبا الحسن ، أنت قادم إلينا عن قريب ، وسيخضب لحيتك أشقى هذه الأمّة من دم
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 482
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٨٢