وسار أمير المؤمنين عليه السّلام حتّى دخل المسجد ، والقناديل قد خمد ضوؤها ، فصلّى في المسجد ركعات وعقّب بعدها ، ثمّ إنّه علا المئذنة وتنحنح ، وجعل إصبعه في أذنه ، وأذّن وكان عليه السّلام إذا أذّن لم يبق في الكوفة بيت إلّا دخله صوته . وكان اللّعين ابن ملجم قد بات في المسجد ومعه شبيب بن بجرة ، وكان من أشجع النّاس ، ووردان بن مجالد ، وكانت قطام قد شرطت لهم شرائط ، ولابن ملجم أن تتزوّج به ( لعنه اللّه ) وكانت معتكفة في المسجد الأعظم ، فدخلوا عليها المسجد ، وقالوا لها : قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرّجل ، فدعت لهم بحريرة ، فعصبت به صدورهم ، وتقلّدوا أسيافهم ، ومضوا وجلسوا مقابل السّدة الّتي كان يخرج منها أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الصّلاة ، وقد كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأشعث بن قيس ما في نفوسهم من العزيمة ، وواطأهم على ذلك ، وحضر معهم لمعونتهم في تلك اللّيلة ، وكان حجر بن عدي في تلك اللّيلة في المسجد ، فسمع الأشعث يقول :
يا ابن ملجم ، النّجا النّجا لحاجتك ، فقد فضحك الفجر ، فأحسّ حجر بما أراد الأشعث ، فقال له : تقتله يا أعور ؟ وخرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ليخبره الخبر ، فخالفه في الطّريق ، ثمّ إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا نزل عن المئذنة ، جعل يسبّح اللّه ويقدّسه ويكثر من الصّلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم ، وعبر على قوم نيام في المسجد وفيهم ابن ملجم ( لعنه اللّه ) فقال : الصّلاة الصّلاة حتّى انتهى إلى ابن ملجم ، وهو مكبوب على وجهه ، فقال عليه السّلام : قم إلى الصّلاة ولا تنم هكذا فإنّه نوم الشّياطين ، ثمّ قال عليه السّلام : لقد أضمرت أمرا عظيما تكاد السّماوات يتفطّرن منه ، وتنشقّ منه الأرض وتخر الجبّال هدّا ، ولو شئت لأخبرتك بما أخفيته تحت ثيابك ، ثمّ إنّه تقدّم عليه السّلام إلى المحراب ، ودخل في الصّلاة وأطال ركوعه وسجوده ، كما هي عادته . فجاء اللّعين ابن ملجم ووقف حذاء الأسطوانة الّتي كان يصلّي عندها ، وأمهله حتّى صلّى الرّكعة الأولى ، فلمّا رفع رأسه منها رفع اللّعين سيفه وضربه ، وتعمّد بالضّربة على رأسه الشّريف ، فوقعت الضّربة في الموضع الّذي ضربه عمرو بن ودّ ، فشقّت رأسه إلى موضع سجوده . وقال : « بسم اللّه وباللّه وعلى ملّة رسول اللّه فزت وربّ الكعبة » ، فلمّا سمع أهل المسجد صوته أسرعوا إلى المحراب ، وكانت الضّربة مسمومة ، وقد جرى السّم في رأسه وبدنه الشّريف ، وكان قد ضربه اللّعين شبيب بن
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 485
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٨٥