رأسك ، وإنّي مشتاق إلى لقائك ، وأنت قادم إلينا في العشر الأواخر من هذا الشّهر ، فهلّم إلينا فالّذي عندنا لك خير وأبقى » . فلمّا سمع أهله ضجّوا بالبكاء والنّحيب ، فأمرهم بالسّكوت ، ثمّ أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير ، وينهاهم عن الشّر ، ثمّ يخرج ساعة بعد ساعة ينظر إلى الكواكب ، ويقلّب طرفه ، وهو يقول : « واللّه لا كذبت ولا كذبت إنّها اللّيلة الّتي وعدني بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم » ، ثمّ يعود إلى صلاته ومصلّاه ، وهو يكرّر :
« اللّهمّ بارك لي في الموت » ، ويكثر من قول : « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم » ويصلّي على النّبيّ صلّى اللّه عليه واله ويستغفر اللّه كثيرا .
قالت أمّ كلثوم : فلمّا رأيت ما عرض لأبي من القلق والاضطراب لم يأخذني النّوم ، وقلت : يا أبة لم حرمت على نفسك النّوم في هذه اللّيلة ؟ ولم لا تستريح يا أبة ؟ فقال :
يا بنيّة ، إنّي كثيرا ما قاتلت الشّجعان ، وقاسيت الأهوال العظيمة ، ولم يحصل لي رعب واضطراب مثل هذه اللّيلة ، ثمّ قال عليه السّلام : « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » ؛ فقلت : يا أبة ، لم أراك تنعى إلينا نفسك في هذه اللّيلة ؟ فقال يا بنيّة : قد قرب الأجل ، وانقطع الأمل ، قالت أمّ كلثوم : فلمّا سمعت ذلك بكيت ، فقال : يا بنيّة ، لا تبكي فإنّي ما أخبرتك إلّا بما عهده إليّ حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، ثمّ غفا قليلا ثمّ انتبه عليه السّلام وقال : يا بنيّة ، إذا قرب وقت الأذان فأعلميني ، ثمّ جعل يتضرّع إلى اللّه تعالى ، ويدعو فلمّا قرب وقت الصّلاة قدّمت إليه وضوءه ، ولبس ثيابه ، وتوجّه إلى المسجد ؛ فلمّا صار في صحن الدّار ، وكان في الدّار إوزّ قد أهديت إلى أخي الحسن ، فلمّا رأينه رفرفن بأجنحتهنّ ، وصحن في وجهه ، فقال عليه السّلام : « لا إله إلّا اللّه صوارخ وصوائح تلحقها نوائح . وسيظهر قضاء اللّه غدا » ؛ فقلت :
يا أبة ، لم تتفأل بالشّرّ ؟ فقال عليه السّلام : ليس منّا أهل البيت أحد يتفأل بالسّوء ، ولا يؤثّر السّوء فينا ، ولكن جرى الحقّ على لساني ؛ ثمّ قال : يا بنيّة ، بحقّي عليك إلّا ما أطلقتيه ، فقال : « حبست ما ليس له لسان فأطعميه وأسقيه ، وإلّا فخلّي سبيله يأكل من حشيش الأرض » ، فلمّا وصل إلى الباب وهو مغلق عالجه ، فانحل مئزره ، فشدّه وهو يقول :
أشدد حيازيمك للموت * فإنّ الموت لاقيكا