عن حدود الاتزان والاحتشام ؟ حاشا بنت النّبيّ وفاطمة وعليّ ، وأخت الحسنين ، وحفيدة أبي طالب أن تنهزم أمام النّكبات ، وتستسلم للضّربات ، حاشا النّفس الكبيرة أن تتمكّن منها العواطف ، أو تزعزعها العواصف ، فلقد تحوّلت تلك المحن والمصائب بكاملها إلى عقل وصبر وثقة باللّه ، وكشفت كلّ نازلة نزلت بها عن معنى من اسمي معاني الكمال والجلال ، وعن سرّ من أسرار الإيمان النّبويّ المحمّديّ ، إنّ اعتصامها باللّه ، وإيمانها به تماما كإيمان جدّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله .
وليس في قولي هذا أيّة شائبة من المغالاة ، ما دمت أقصد الإيمان الصّحيح الكامل الّذي لا ينحرف بصاحبه عن طاعة اللّه ومرضاته مهما تكن الدّوافع والملابسات . وأيّ شيء أدلّ على هذه الحقيقة من قيامها بين يدي اللّه للصّلاة ليلة الحادي عشر من المحرّم ، ورجالها بلا رؤوس على وجه الأرض تسفي عليهم الرّياح ، ومن حولها النّساء والأطفال في صياح وبكاء ، ودهشة وذهول ، وجيش العدو يحيط بها من كلّ جانب ، إنّ صلاتها في مثل هذه السّاعة تماما كصلاة جدّها رسول اللّه في المسجد الحرام ، والمشركون من حوله يرشقونه بالحجارة ، ويطرحون عليه رحم شاة ، وهو ساجد للّه عزّ وعلا ، وكصلاة أبيها أمير المؤمنين في قلب المعركة بصفّين ، وصلاة أخيها سيّد الشّهداء يوم العاشر ، والسّهام تنهال عليه كالسّيل .
ولا تأخذك الدّهشة - أيّها القارئ - إذا قلت : إنّ صلاة السّيّدة زينب ليلة الحادي عشر من المحرّم كانت شكرا للّه على ما أنعم ، وإنّها كانت تنظر إلى تلك الأحداث على إنّها نعمة خصّ اللّه بها أهل بيت النّبوّة من دون النّاس أجمعين ، وإنّه لولاها لمّا كانت لهم هذه المنازل والمراتب عند اللّه والنّاس ، ولا يشكّ مؤمن عارف بأنّ أهل البيت لو سألوا اللّه سبحانه دفع الظّلم عنهم ، وألحّوا عليه في هلاك الظّالمين لأجابهم إلى ما سألوا ، كما لا يشكّ مسلم بأنّ رسول اللّه لو دعا على مشركي قريش لاستجاب دعاءه « 1 » ، ولكنّهم لو
هامش
( 1 ) - حين لقي المسلمون من المشركين شدّة شديدة قالوا لرسول اللّه : ألا تدعو اللّه ! ألا تدعو اللّه لنا ؟ قال :
« إنّ من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، -