حتّى سمّيت أمّ المصائب ، وأصبحت هذه الكنية علما خاصّا بها .
فقد شاهدت وفاة جدّها رسول اللّه ، وتأثيرها على المسلمين بعامّة وعلى أمّها وأبيها وأهل بيتها بخاصّة [ . . . ]
شاهدت زينب وفاة جدّها الرّسول ، وما تركه من آثار ، وشاهدت محنة أمّها الزّهراء ، وندبها لأبيها في بيت الأحزان ، ودخول من دخل إلى خدرها ، وانتهاك حرمتها ، واغتصاب حقّها ، ومنع إرثها ، وكسر جنبها ، وإسقاط جنينها ، وسمعتها وهي تنادي فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ، وكلّنا يعلم علاقة البنت بالأمّ ، وتطلّعها إليها ، وتأثّرها بها تلقائيّا وبدون شعور .
وشاهدت قتل أبيها أمير المؤمنين ، وأثر الضّربة في رأسه ، وسريان السّمّ في جسده الشّريف ، ودموعه الطّاهرة الزكيّة تفيض على خديه ، وهو يقلّب طرفه بالنّظر إليها ، وإلى أخويها الحسنين .
وشاهدت أخاها الحسن أصفر اللّون يجود بنفسه ، ويلفظ كبده قطعا من أثر السّمّ « 1 » ورأت عائشة تمنع من دفنه مع جدّه ، وتركب بغلة ، وتصيح : واللّه لا يدفن الحسن هنا أبدا .
أمّا ما شاهدته في كربلاء ، وحين مسراها إلى الكوفة والشّام مع العليل والنّساء والأطفال فيفوق الوصف ، وقد وضعت فيه كتب مستقلّة .
هكذا كانت حياة السّيّدة ، وبيئتها من يومها الأوّل إلى آخر يوم ، حياة مشبعة بالأحزان ، متخمة بالآلام لا تجد منها مفرّا ، ولا لها مخرجا .
وبعد هذه الإشارة نقف قليلا لنرى كيف قابلت السّيّدة هذه الصّدمة والأحداث الجسام : هل أصابها ما يصيب النّساء في مثل هذه الحال من الاضطراب واختلال الأعصاب ؟
هل هيمنت عليها العاطفة العمياء الّتي لا يبقى معها أثر لعقل ولا دين ؟ وبالتّالي هل خرجت
هامش
( 1 ) - روي أنّه لمّا وضع الطّشت بين يدي الحسن ، وهو يقذف كبده سمع أنّ أخته زينب تريد الدخول عليه أمر برفع الطشت إشفاقا عليها .