أمّا قوّة جنانها ، فبرزت بطلة هاشميّة ، هزّت بنبرات صوتها ذلك البلاط الأمويّ الغاشم الّذي ألبسته عارا وشنارا ، وتعرّض في مجلس يزيد الخمور وهو يمتلك أزمّة العرب وسلطنة البلاد ، مع أبّهة الملوكيّة ، وهيبة السّلطان ، وتحفّ به الجلاوزة شاهرين سيوفهم والمجلس غاصّ بالرّعاع والسّوقة ، فألجأتها الظّروف أن تخطب ، فانبرت خاطبة ، كأنّها تفرغ عن لسان أبيها الكرّار ، وتتدفّق من بيانها سيول البلاغة والفصاحة ، تمثّل الحقّ تمثيلا ، ولا يرهبها سطوة خصومها ، فامتلكت مشاعرهم بدوافع حججها ، وقوامع براهينها ، كأنّها ألقمتهم حجرا ، وكهربتهم بنبرات صوتها ، كأنّه الصوت الإلهيّ الهابط من علياء السّماء ، فألبستهم لؤما وشقاء ؛ أمّا حديث علمها ، فحسبها أنّها استقلّت زعامة الدّين بعد شهادة الحسين عليه السّلام ، وبقيت مرجعا للشّيعة ردحا من الزّمن حتّى برئ الإمام عليّ بن الحسين ، وما أسماها من وظيفة وظّفها أخوها ، وأكرم بعالمة غير معلّمة استقلّت بها ، وحقّ لمثل حبر الأمّة عبد اللّه بن عبّاس أن يذكرها بقوله « عقيلتنا زينب بنت عليّ » .
السّابقي ، مرقد العقيلة زينب ، / 21
ويروي ابن عبّاس عنها ويقول قالت : عقيلتنا زينب .
وروي أنّها كانت لا تدّخر شيئا من يومها لغدها .
وروي عن السّجّاد عليه السّلام : « إنّها كانت تقسّم نصيبها من الطّعام - في الأسر - على الأطفال ، لأنّ القوم كانوا يدفعون لكلّ واحد منّا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم واللّيلة » .
وروي عن الإمام السّجّاد عليه السّلام : « إنّ عمّتي زينب كانت تؤدّي صلاتها الفرائض من قيام عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشّام ، وفي بعض المنازل كانت تصلّي من جلوس ، فسألتها عن سبب ذلك ، فقالت : أصلّي من جلوس لشدّة الجوع والضّعف منذ ثلاث ليال » .
كانت تقضي عامّة لياليها بالتّهجّد وتلاوة القرآن حتّى ليلة العاشر والحادي عشر من المحرّم .
يقول الإمام السّجّاد عليه السّلام : « إنّ عمّتي زينب ، مع تلك المصائب والمحن النّازلة بها في
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 144
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١٤٤