القربة سهم فأريق ماؤها . وجاءه سهم فأصاب صدره . وسهم آخر أصاب إحدى عينيه ، فأطفأها ، وجمدت الدّماء على عينه الأخرى ، فلم يبصر بها .
وضربه لعين من القوم على أمّ رأسه ، فانقلب عن ظهر فرسه ، وخرّ إلى الأرض صريعا ، والعلم إلى جنبه ، وجعل يخور بدمه ، فقطّعه القوم بأسيافهم :
وهوى بجنب العلقميّ فليته * للشّاربين به يداف العلقم
وغدا يهمّ بأن يصول فلم يطق * كاللّيث إذ أظفاره تتقلّم « 1 »
فعند ذلك نادى - برفيع صوته - : عليك منّي السّلام أبا عبد اللّه .
فأتاه الحسين مسرعا كالصّقر إذا انحدر إلى فريسته ، ففرّق القوم عنه ، وقتل منهم رجالا ، وجندل فرسانا « 2 » ، وحتّى إذا وصل إليه ، رآه مقطوع اليمين واليسار ، مفضوخ الهامة ، مثخنا بالجراح ، العلم إلى جنبه ممزّق ، والقربة مخرّقة ، وهو يفحص برجليه .
قالوا : فأدركه الحسين ، وبه رمق الحياة ، فأخذ رأسه الشّريف ووضعه في حجرة ، وجعل يمسح الدّم والتّراب عنه ، ثمّ بكى بكاء عاليا ، وقال : « الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي » .
ثمّ انحنى عليه واعتنقه ، وجعل يقبّل موضع السّيوف من وجهه ونحره وصدره :
فمشى لمصرعه الحسين وطرفه * بين الخيام وبينه متقسّم
ألفاه محجوب الجمال كأنّه * بدر بمنحطم الوشيج ملثّم
فأكبّ منحنيا عليه ودمعه * صبغ البسيط كأنّما هو عندم
قد رام يلثمه فلم ير موضعا * لم يدمه عضّ السّلاح فيلثم « 3 »
هامش
( 1 ) - من قصيدة عصماء للشّاعر الفحل العلّامة السّيّد جعفر الحلّي - قدس سرّه - مطلعها :وجه الصّباح عليّ ليل مظلم * وربيع أيّامي عليّ محرّم( 2 ) - في كتاب ( نور العين في مشهد الحسين ) : « فحمل الحسين على القوم وحاربهم حربا شديدا حتّى قتل منهم ( ثمانمائة فارس ) وأتى إليه . . . » .
( 3 ) - من قصيدة العلّامة الأديب الحلّيّ الآنف الذّكر . والعندم - بالفتح - : دم الأخوين ، وقيل : ( البقم ) وهو ذو لون أحمر يصبغ به .