والأكمات ، وأخذوا يرمونه بالسّهام ، حتّى قال إسحاق بن حيوة ( لع ) : فثوّرنا عليه النّبال كالجراد الطّائر ، فصيّرنا جلده كالقنفذ ، ومع ذلك كان كالجبل الأصمّ لا تحرّكه العواصف ، ولا تزيله القواصف ، فغاص العبّاس في أوساطهم ، وقتل منهم ثمانين فارسا ، وقيل :
ثمانمائة فارس ، وقيل : أكثر من ذلك ، وهو بينهم يرتجز ويقول :
لا أرهب الموت إذا الموت رقى * حتّى أوارى في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطّهر وقى * إنّي أنا العبّاس أغدو بالسّقا
ولا أخاف الشّرّ يوم الملتقى
فتفرّقوا عنه هاربين ، فكشفهم عن المشرعة ، ونزل ، فهجموا عليه ، فخرج إليهم وفرّقهم ، ثمّ عاد إلى المشرعة ، فحملوا عليه ثانيا ، فكرّ عليهم العبّاس على ما في بعض الكتب منها : الكبريت الأحمر إلى ستّ مرّات ، وفي السّادسة انصرفوا ولم يرجعوا ، فنزل وملأ القربة ، وأراد أن يخرج ، نادى عمرو بن الحجّاج ( لعنه اللّه ) : دونكم العبّاس ، فقد حصل بأيديكم ، فكثرت عليه الرّجال ، فلمّا رأى العبّاس عليه السّلام ، وقد تسارعوا إليه ، حطّ القربة ، وخرج من المشرعة ، واستقبل القوم يضربهم بسيفه ، وكأنّه النّار في الأحطاب وهو يقتلهم ويحصدهم حصد السّنبل . يقول الرّائيّ :
وقع العذاب على جيوش أميّة * من باسل هو في الوقايع معلم
ما راعهم إلّا تقحّم ضيغم * من غير أن يعجم لفظه ويدمدم
عبست وجوه القوم خوف الموت * والعبّاس فيهم ضاحك متبسّم
قلب اليمين على الشّمال وغاص في * الأوساط يحصد في الرّؤوس ويحطم
وجعل روحي له الفداء يرتجز ويقول :
أقاتل القوم بقلب مهتد * أذبّ عن سبط النّبيّ أحمد
أضربكم بالصّارم المهنّد * حتّى تحيدوا عن قتال سيّدي
إنّي أنا العبّاس ذو التودّد * نجل عليّ المرتضى المؤيّد