طاقة ، فارجعوا إلى بلدنا ، فعسى اللَّه أن يكفينا أمرهم بغيرنا .
فقال له عبداللَّه بن عوف الأزديّ : بئسما قلت ! واللَّه لو وليناهم الأدبار ليركبنّ أكتافنا ، فلا نبلغ فرسخاً حتّى نقتل عن آخرنا ، فإن نجا منّا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى فقتلوه صبراً ، أو أخذوه أسراً فيدفعوه إليهم ، ولكن نقاتلهم في يومنا هذا إلى اللّيل ، فإن أمسينا وأخلط الظّلام ركبنا خيولنا ومضينا ، فإن تبعونا رجعنا عليهم ، وعزمنا على الموت ، وإن لم يتّبعونا مضينا ولا أظنّهم يتّبعوننا .
قال : ثمّ حمل أهل الشّام بأجمعهم على أهل العراق ، فقتلوا منهم جماعة .
قال : وتقدّم رجل من أهل الكوفة من كندة يقال له عبداللَّه بن عزيز ، ومعه ابن له صغير اسمه محمّد ، فوقف بين الصّفّين ، فنادى : يا أهل الشّام ! هل فيكم أحد من كندة ؟
قالوا : نعم ، ما تريد ؟ قال : أنا رجل من كندة وهذا ابني فخذوه إليكم ، فإذا قُتلت فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة ، فإنّه لابدّ لي من القتال حتّى أموت . فنادوه : يا عمّ ! لا تقتل نفسك ، هلم إلينا وأنت آمن . فقال الشّيخ : لا واللَّه ما كنت لأرغب عمّا نويت به ، وقد عزّ عليَّ مصارع إخواني الّذين كانوا للبلاد نوراً وللدّين أركاناً .
فجعل ولده يبكي ، فقال الشّيخ لابنه : يا بنيّ ! واللَّه لو كان عندي شيء آثر من طاعة ربّي ، لكنت أنت ، ولو كان رضا ربّي في قتلك لقتلتك واللَّه في طاعته . ثمّ تقدّم للقتال وهو يقول :
قد علمت كندة من أعلامها * أهل النُّهى ومن ذوي أحكامها
أهل عراقها وأهل شامها * بأنّني اللّيث لدى زحامها
وحمل فقاتل حتّى قُتل رحمه الله ، وصار ابنه إلى الشّام ، وتقدّم عبداللَّه بن عوف الأزديّ إلى الرّاية ، فرفعها وقال : أيّها النّاس ! قد بلغني عن قوم منكم يريدون الهرب في ليلتكم هذه ، لا واللَّه لا يراني اللَّه وأنا أولِّي ظهري عن هذا العدوّ ، دون أن أرد مورد إخواني ؛ لأنِّي قد علمت إنّه ليس في هذه الدّنيا عوض عن الآخرة .
ثمّ دنا من صفوف أهل الشّام ومعه جماعة من الأزد وحمير وهمدان ، فقال أهل الشّام : أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم . فقال لهم كريب بن زيد الحميريّ : يا هؤلاء ! إنّا