سُئِل الكيا الهراسيّ « 1 » عن يزيد بن معاوية فقال : إنّه لم يكن من الصّحابة لأنّه ولد في زمن عمر بن الخطّاب ؛ وأمّا قول السّلف ففيه قولان : تلويح وتصريح ، ولنا قول واحد :
التّصريح دون التّلويح « 2 » ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللّاعب بالشّطرنج والنّرد والمتصيّد بالفهود ومدمن الخمر ؟ !
قيل : إنّ معاوية في بعض اللّيالي أنهي إليه أنّ يزيد ولده يشرب ، فأتى إليه ليوقع به فوجده يقول :
ألا إن أهنا العيش ما سمحت به * صروف اللّيالي والحوادث نوّمُ
فقال معاوية : واللَّه لا كنت عليه في هذه اللّيلة من الحوادث ، ثمّ رجع من حيث أتى .
رجعنا إلى الأصل : وكتب الكيا فصلًا طويلًا ثمّ قلب الورقة وكتب : [ لو ] مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرّجل ، وكتب فلان ابن فلان .
وقد أفتى الغزاليّ رحمه الله بخلاف ذلك ، فإنّه سئل عمّن صرّح بلعن يزيد : هل يحكم بفسقه ؟ فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلًا ، ومَن لعن مسلماً فهو الملعون ، وقد قال رسول اللَّه ( ص ) : « المسلم ليس بلعّان » ، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم ، وقد ورد النّهي عن ذلك ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنصّ النّبيّ ( ص ) ؛ ويزيد صحَّ إسلامه ، وما صحَّ قتله الحسين رضي الله عنه ولا أمْرُهُ ولا رضاه بذلك ، ومهما لم يصحّ ذلك منه لا يجوز أن يظنّ ذلك به ، فإنّ إساءة الظّنّ بالمسلم حرام ، وقد قال اللَّه تعالى : « اجتنبوا كثيراً من الظّنّ إنّ بعضَ الظّنِّ إثم » ( الحجرات : 12 ) وقال النّبيّ ( ص ) : إنّ اللَّه حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السُّوء . ومَن زعم أنّ يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم غاية حمقه « 3 » ، فإن مَن كان في عصره من الأكابر والوزراء والسّلاطين لو أراد أن يعلم حقيقة مَن الّذي أمر بقتله أو رضي به أو كرهه لم يقدر على
هامش
( 1 ) - تجد هذه الفتوى وفتوى الغزالي عند ابن خلّكان 3 : 287 وما بعدها ، وقد أوجز المؤلّف في النّقل .
( 2 ) - ص : التّلويح دون التّصريح .
( 3 ) - ابن خلّكان : يعلم به غاية حماقة .