أمر بولاية أوليائه ، وأمر بعداوة أعدائه ، فكما يَسأل عن التّولِّي يَسأل عن التَّبَرِّي ! ألا ترى أنّ اليهوديّ إذا أسلم يُطالَب بأن يقال له : تلفَّظْ بكلمة الشّهادتين ، ثمّ قلْ : برئتُ من كلِّ دين يُخالِف دين الاسلام ، فلا بدّ من البراءة ، لأنّ بها يتمّ العمل ! ألم يَسمع هذا القائلُ قول الشّاعر :
تَوَدُّ عَدُوِّي ثمّ تزعُمُ أنّني * صديقُك ، إنّ الرّأي عنكَ لعازِبُ
فمودّة العدوّ خروجٌ عن ولاية الوليّ ، وإذا بطلت المودّة لم يبق إلّاالبراءة ؛ لأنّه لا يجوز أن يكون الانسانُ في درجة متوسطة مع أعداء اللَّه تعالى وعُصاتِه بألّا يودّهم ولا يبرأ منهم بإجماع المسلمين على نَفْي هذه الواسطة .
وأمّا قوله : « لو جَعَل عِوضَ اللّعنة أستغفِر اللَّه لكان خيراً له » ، فإنّه لو استغفر من غير أن يلعن أو يعتقد وجوب اللّعن لما نفعه استغفاره ولا قُبِل منه ، لأنّه يكون عاصياً للَّه تعالى ، مخالفاً أمره في إمساكه عمّن أوجب اللَّه تعالى عليه البراءة منه ، وإظهار البراءة ، والمُصِرّ على بعض المعاصي لا تُقبّل توبته واستغفاره عن البعض الآخر ، وأمّا مَنْ يعيش عمره ولا يَلعن إبليسَ ، فإن كان لا يعتقد وجوبَ لَعْنِه فهو كافر ، وإن كان يعتقد وجوبَ لَعْنِه ولا يَلعَنه فهو مخطئ ؛ على أنّ الفرق بينه وبين تَرْك لَعِنه رؤوس الضّلال في هذه الأمّة كمعاوية والمغيرة وأمثالهما ، أنّ أحداً من المسلمين لا يُورِث عنده الإمساك عن لعن إبليس شبهة في أمر إبليس ، والإمساك عن لعن هؤلاء وأضرابهم يثير شبهةً عند كثيرٍ من المسلمين في أمرهم ، وتجنُّب ما يُورِث الشّبهة في الدّين واجب ، فلهذا لم يكن الإمساك عن لعن إبليس نظيراً للإمساك عن أمر هؤلاء .
قال : ثمّ يقال للمخالفين : أرأيتم لو قال قائلٌ : قد غاب عنّا أمر يزيد بن معاوية والحجّاج بن يوسف ، فليس ينبغي أن نخوض في قصّتهما ، ولا أن نلعنهما ونعاديهما . ونبرأ منهما ؛ هل كان هذا إلّاكقولكم : قد غاب عنّا أمرُ معاوية والمغيرة بن شُعبة وأضرابُهما ، فليس لخوضنا في قصّتهم معنىً !
وبعد ، فكيف أدخلتُم أيُّها العامّة والحشويّة وأهل الحديث أنفسكم في أمر عثمان