ويُخالَف دينهُ . فلا بدّ وأن تَعلوَ كلمةُ الضّلال وتَرتفعَ دعوةُ الباطل ، وكلمةُ اللَّه هي العليا ، ودينه المنصور ، وحكمُه النّافذ ، وأمرهُ الغالب ، وكيدُ مَن عاداه وحادَّه المغلوبُ الدّاحض ؛ حتّى احتَمَل أوزارَ تلك الحروب وما تبعها ؛ وتطوّق تلك الدِّماء وما سُفِك بعدَها ، وسَنّ سُنن الفساد الّتي عليه إثمها وإثمُ مَن عَمِل بها ، وأباحَ المحارمَ لمن ارتكبها ، ومنع الحقوق أهلها ، وغرّته الآمال ، واستدرجه الإمهال .
وكان ممّا أوجب اللَّه عليه به اللّعنة قتله من قتل صبراً « 1 » من خيار الصّحابة والتّابعين ، وأهل الفضل والدِّين ، مثل عمرو بن الحمق الخُزاعيّ ، وحُجْر بن عَدِيٍّ الكنديّ ، فيمن قتل من أمثالهم ، على أن تكون له العزّة والملك والغَلَبة ، ثمّ ادّعاؤه زياد ابن سُمَيّة أخا ، ونسبتهُ إيّاه إلى أبيه ، واللَّه تعالى يقول : « أُدعوهم لِآبائهم هو أقسط عندَ اللَّهِ » « 2 » ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : « ملعونٌ مَنِ ادّعى إلى غير أبيه ، أو انتمَى إلى غير مَواليه » . وقال :
« الولد للفراش وللعاهِرِ الحَجَر » ، فخالف حكم اللَّه تعالى ورسوله جهاراً ، وجعل الولد لغير الفراش والحجر لغير العاهر ، فأحلَّ بهذه الدّعوة من محارم اللَّه ورسوله في أمِّ حبيبة أمِّ المؤمنين وفي غيرها من النِّساء من شعور ووجوه قد حرَّمها اللَّه ، وأثبت بها من قُربى قد أبعدها اللَّه ، ما لم يدخل الدِّين خللٌ مثله ، ولم يَنَل الاسلام تبديلٌ يشبهه .
ومن ذلك إيثاره لخلافة اللَّه على عباده ابنه يزيد ، السِّكِّير الخِمِّير صاحب الدِّيَكة والفهُود والقِرَدة ، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقَهْر والسَّطْوة والتّوعُّد والإخافة ، والتّهديد والرَّهبة ، وهو يعلم سَفَهه ، ويطّلع على رَهَقِه وخبْثِه ؛ ويُعاين سَكراته وفَعلاته ، وفجوره وكفره . فلمّا تمكّن - قاتله اللَّه - فيما تمكّن منه ، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ، فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرّة الوقعة التي لم يكن في الاسلام أشنعُ منها ولا أفحشُ ، فشفى عند نفسه غليله ؛ وظنَّ أنّه قد انتقم من أولياء اللَّه ، وبلغ الثّأر لأعداء اللَّه ؛ فقال مجاهراً بكفره ، ومظهراً لشِرْكه :
هامش
( 1 ) - صبراً ، أي حبساً .
( 2 ) - سورة الأحزاب 5 .