يقدّمهم خولى بن يزيد ، فلمّا صار النّهار فإذا العبّاس ، قد أقبل فسرنا إليه كالجراد المنتشر ، فصار جلده كالقنفذ فلم يكبر ذلك عليه ، ففرّقنا يمنة ويسرة وانحدر إلى المشرعة وملأ القربة ووكأها وخرج ، فصحت بهم : يا ويلكم ! إن شرب الحسين عليه السلام منه قطرةً صار أكبركم أصغركم . فصلنا عليه صولة رجل واحد ، فضربه أزديّ بسيفه ، فطار يمينه ، فأخذ السّيف بشماله ، فكرّ علينا والقربة على كتفه ، فقتل رجالًا ، ونكّس أبطالًا ، فلم يكن لنا همّ إلّاالقربة فضربتها بالسّيف ، فصال عليَّ فضربت يساره بالسّيف ، فطارت مع السّيف وضربه آخر بعمودٍ من حديدٍ على أُمِّ رأسه ، فطار مخّه جارياً على كتفه ، فسقط على الأرض وهو ينادي : يا أخاه ! وا حسيناه ! وا أبتاه ! وا عليّاه ! وإذا بالحسين عليه السلام قد أتاه كالصّقر إذا انحدر على فريسته ، ففرّقنا يمنة ويسرة بعد أن قتل من المعروفين سبعين رجلًا ، فولّينا هاربين عنه ، فرجع إلى أخيه العبّاس واحتمله كحمل الأسد لفريسته ، ورماه مع القتلى المجاهدين وناح عليه طويلًا وعلا النِّياح والصِّياح من النِّساء في الخيم حتّى يتّقنّا إنّ الملائكة والجنّ والإنس تعينهم على ذلك وأنّ الأرض قد ماجت بنا .
وإذا بالحسين عليه السلام قد أقبل علينا واللَّه لقد خلته أباه عليّ بن أبي طالب ، ففرّقنا كالأنعام الشّاردة وانحدر إلى الماء حتّى وصل إلى الرّكاب ، فوقف ليشرب وإذا بالميمون مدّ فمه ليشرب فرفع عنه اللّجام وآثره على نفسه وهو بتلك الخصاصة ، فتعجّبت منه ، وقلت : واللَّه إنّك لابن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حقّاً لأنّك في هذا الظّمأ الشّديد تؤثر مركوبك على نفسك لا عاش شيء بعد نفسك . فذكرت مدح اللَّه لأبيه « ويؤثرونَ على أنفُسِهِم ، ولو كانَ بهم خصاصة » ، فجعلت احرِّض الرِّجال والفرسان بالنِّزول عليه ، فلم يجسروا ، فقلت : هذه السّاعة يشرب الماء ويقتلنا على آخرنا ، فألقى الشّيطان في فمي الكذب ، فقلت :
أدرِك النِّساء يا حسين ، أنّهنّ هُتِكْنَ والخيمة اخِذَت ونُهِبَت . فساقَ جواده ، وإذا هي سالمة والنِّساء كذلك ، فعلم إنّها كانت حيلة فأراد الرّجوع ، فلم يتمكّن فاستعبر وبكى وأنا أضحك على خدعي له ، فصار عليَّ ما ترى .
قال عبداللَّه : فاحترق فؤادي ممّا سمعت منه ، فقلت له : صدقت ، أجلس حتّى آتيك
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 585
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٥٨٥